في ظل انتشار الأعمال الأدبية المُختلفة من قصص قصيرة وروايات وكُتب في شتى المجالات بجانب سهولة الوصول إلى تلك الأعمال؛ بسبب التكنولوجيا الحديثة، أصبحت هناك فئة كبيرة من مُختلف الأعمار تلجأ للقراءة، وأصبحت القراءة جزءًا لا يتجزأ منهم، وظهرت فئة النقاد والمحللين وأصحاب المُراجعات الورقية؛ مما أدى إلى ظهور مناهج وخطوات لتحليل النصوص الأدبية تحليلًا أدبيًا، وأصبح علمًا يُدرَّس.
![]() |
| كيف نحلل نصًا أدبيًا وما هي تقنيات السرد؟ |
وقبل أن نتطرق إلى الطريقة، يجب أن نعرف لماذا يجب أن نعرفها، ومن الذي يجب أن يعرفها، ومعرفة الطريقة مُفيدة على مستويين:
المستوى الأول: منظور القارئ.
حيث يجعله قادرًا على نقد الكُتب بشكل صحيح، وتصحيح بعض الأخطاء لأصدقائه الكُتاب، بجانب قدرته على تحليل الأعمال الأدبية وصنع مراجعات لها.
المستوى الثاني: منظور الكاتب.
حيث يجعله قادرًا على تطوير نفسه مع معرفة الثغرات التي يمتلكها، بجانب قدرته على تحليل الأعمال الأدبية وصنع مراجعات لها أيضًا.
كيف نحلل نصًا أدبيًا؟
تحليل النص الأدبي ينقسم إلى عدّة خطوات، وهي على الترتيب:
- الوقوف على عنوان الرواية مع ربطه بعناصر الرواية الأخرى -التي سيتم عرضها في المقال-، ونبدأ بالعنوان؛ لأنه يمثل العتبة الأولى من عتبات النص الأدبي، وقد نبدأ التحليل الأدبي أو النقدي من غلاف الرواية، بشرط أن يكون الغلاف له علاقة بالنص.
- تحديد واستخراج وتحليل عناصر البناء الروائي، وعناصر البناء الروائي:
- المكان الروائي:
وهو الفضاء الذي تتحرك فيه الشخصيات الروائية وتقع فيه الأحداث، وهو عنصر أصيل من عناصر بناء الرواية، ويتحد عنصر المكان الروائي مع عناصر البناء الأخرى، خاصةً عنصر الشخصيات الروائية والزمن الروائي والأحداث.
فالعلاقة بين المكان الروائي والشخصيات علاقة جدلية؛ لأن هذه الشخصيات تتحرك في المكان وتتأثر نفسيًا سواءً بالسلب أو الإيجاب بما في المكان، ونجد تلك العلاقة ظاهرة بوضوح في رواية (زقاق المدق لنجيب محفوظ)، حيث كانت تدور الأحداث حول البطلة حميدة التي تريد أن تخرج من الزقاق، والبطل عباس الحلم، الذي يريد أن يتزوج حميدة ويفتتح محل للحلاقة في الزقاق، وهنا نلاحظ أن المكان (الزقاق) انعكس فسيولوجيًا على شخصيات الرواية.
والعلاقة بين الزمان والمكان علاقة جدلية أيضًا؛ لأنه بالتعرف على الأماكن الروائية يمكننا أن نعرف الأزمنة الروائية دون ذكرها، ومن هنا نستنتج أنه ليس شرطًا على الراوي أو الكاتب أن يذكر الزمن الروائي، وأطلق المحللون والنقاد على هذه العلاقة مصطلح (الزمكان)، الذي يشير إلى الجدل بين الزمان والمكان؛ فالزمان والمكان متداخلان.
والعلاقة بين المكان والأحداث علاقة جدلية أيضًا؛ لأن الأحداث تقع في الأماكن وليس الفراغ.
وهناك بعض النقاد يفضلون استخدام مصطلح (الفضاء الروائي) بدلاً من (المكان الروائي)؛ لأنه أعم وأشمل، فهو يشير إلى البنيات المادية في المكان والايحاءات النفسية الداخلية، فالأماكن ليست مجرد أبنية مادية فقط بل هي أيضًا تحوي التفاعلات النفسية بين الأشخاص.
- الزمن الروائي.
وأول المعلومات التي يجب أن نعرفها فيه هو أنه ينقسم بالنسبة لنا إلى جزئين:
- سرعة السرد.
- ترتيب الزمن.
فسرعة الزمن تساوي سرعة القصة أو سرعة الحكاية، والقصة هي الأحداث الأصلية قبل التعديل، بينما الحكاية هي الأحداث بعد التعديل.
ويصبح السرد بطيئًا عندما يستخدم المؤلف طريقة الإسهاب، أو الوصف في سرده، أو رواية الأصوات (تروي الشخصيات القصة حسب وجهة نظرها)، ويصبح السرد سريعًا عندما يستخدم المؤلف طريقة الاختصار أو الفجوات الزمنية (بعد أسبوع، بعد شهر...).
وقد تصبح سرعة الزمن صفرًا في حالة استخدام المؤلف أسلوب الشرطة، وتسمى هذه الحالة بحالة التوازي وهي مثل:
قالت: هل أكلت؟
قال: نعم.
أقسام ترتيب الزمن:
- القسم الأول (الترتيب الزمنى المنتظم).
أي أن المؤلف لا يستخدم أي تقنيات فيما يتعلق بالزمن، وتسير الأحداث في خط زمني مستقيم تصاعدي، وفي هذه الحالة غالبًا يكون المؤلف يتحدث عن شخصية واحدة؛ لأنه من المستحيل أن تتعدد الشخصيات ويظل الترتيب تصاعدي، والمقصد من الترتيب التصاعدي (ماضي ثم حاضر ثم مستقبل).
- القسم الثاني (الارتجاع Flashback).
ويستخدم المؤلف هذه التقنية عن طريق الرجوع بالزمن للوراء بهدف إظهار حقيقة أو عرض موقف وغيره.
- القسم الثالث (الاستقبال Flashforward).
ويستخدم المؤلف هذه التقنية عن طريق الذهاب بالزمن للمستقبل، بهدف تشويق القارئ أو عرض مفاجأة في الأحداث وغيره.
الهدف من استخدام الزمن الروائي:
- تسريع الأحداث؛ لمعرفة الأحداث والوقائع.
- تبطيء الأحداث؛ للدخول أكثر في نفسيات الشخصيات الروائية.
ومعلومة مهمة جدًا بخصوص تقنيات الزمن، ليس على الراوي أو الكاتب استخدام جميع تقنيات الزمن، بل من الممكن عند استخدامه لجميع التقنيات أن يضيع جمال كتاباته ويتشتت القارئ وينفر منها، ومن الممكن أن يستخدم تقنية واحدة يبرز بها جمال كتاباته وتدعم أفكاره؛ فالعبرة ليست بالكم بل بالكيف.
- الشخصيات الروائية أنماطها تنقسم إلى:
- هامشية.
- مركزية.
- أو تنقسم إلى:
- شخصية عميقة.
- شخصية مسطحة.
- أو تنقسم إلى:
- شخصية نامية متطورة.
- شخصية ثابتة.
وتتسم الشخصية المركزية بالعمق؛ نتيجةً لاهتمام الكاتب بها وبانفعلاتها وأحلامها وطموحاتها وآلامها، بينما الشخصية الهامشية تتسم بالسطحية، حيث لا يهتم الكاتب بدواخلها، وكل ما يهمه أن تقوم بدورها الثانوي وتساعد الشخصية المركزية.
وتتسم الشخصية العميقة بأن أفكارها ومشاعرها يعلمها القارئ ويتعايش معها، بينما الشخصية السطحية لا يعلم القارئ دواخلها، ويعرف فقط الظاهر منها ويحكم عليه.
وبالنسبة للشخصية المتطورة النامية، فهي تتسم بالتحول وعدم الثابت، فهي قد تظهر في بعض المواقف شريرة والبعض الآخر طيبة، وقد تكون صاحبة فكرة أو وجهة نظر فى بداية الأحداث وفي نهاية الأحداث أو خلالها تتغير تلك الفكرة أو وجهة النظر، وهذا عكس الشخصية الثابتة حيث أنها تتسم بالاستقرار وعدم التحول، وتكون طوال القصة صاحبة طابع واحد لا يتغير، وأيضًا قد تكون شريرة فقط أو طيبة فقط، وتكون صاحبة فكرة أو وجهة نظر لا تتغير.
- الأحداث:
وهي الحبكة، أو جوهر العمل الأدبي ومن غيرها لا وجود للعمل نهائيًا.
- اللغة:
وليس المقصود باللغة اللغة العربية أو الانجليزية، بل المقصود هل الكاتب استخدم في عمله لغة شاعرية (فصيحة مليئة بالمشاعر تميل إلى لغة الشعر)، أم عامية (لهجة قومه)، أم فصيحة (اللغة بقواعدها الأصلية)، أم جمع بينهما؟
ما هي تقنيات وتكنيكات السرد:
هي الوسائل الفنية التي يستخدمها الروائي؛ لكي يصيغ الرواية، وهي الـFlashback (خاصية الاسترجاع والرجوع للوراء) والـFlashforward (خاصية الاستقبال والذهاب للأمام) -الذي سبق ذكرهما في تقنيات الزمن-، ونوع السارد، وهو ينقسم حسب الضمير إلى ثلاثة أقسام:
أولًا: استخدام ضمير السرد (هو):
1- العليم ببواطن الأمور (السارد العليم): وهو يعرف كل شيء عن الشخصيات من مشاعر وأفكار وغيره، ويعلم كل الأحداث المستقبلية مثل:
"استيقظ متأخرًا؛ فخرج مسرعًا وكان يشعر بالخوف من أن يفوته الامتحان، وقابل في الطريق صديقه الذي كان يشعر بالخوف مثله".
2- العليم الموازي لوعي شخصية واحدة: وهو العليم بكل شيء عن شخصية واحدة والباقي يجهله مثل:
"استيقظ متأخرًا؛ فخرج مسرعًا وكان يشعر بالخوف من أن يفوته الامتحان، وفي الطريق قابل صديقه الذي كان يبدو عليه الخوف".
3- عين الكاميرا:
وهو لا يعرف أي شيء عن الشخصيات، فقط يصف الظاهر له مثل:
"خرج مسرعًا وكان يتعرق بشدة ويلتقط أنفاسه بصعوبة وقابل فى الطريق صديقه الذي كان في نفس حالته".
ثانيًا: استخدام ضمير السرد (أنا):
1- السارد الممسرح (أنا البطل):
وهو شخصية روائية تحكي عن نفسها ولا تعلم عن أي شيء خارجها إلا استنتاجًا؛ فهي شخصية تتحدث عن نفسها وعن الأحداث من وجهة نظرها مثل:
"استيقظت متأخرًا؛ فخرجت مسرعًا وكنت أشعر بالخوف من أن يفوتني الامتحان، وقابلت في الطريق صديقي وأخبرني أنه متأخرٌ مثلي".
وهذا النوع من أنواع السارد يُستخدم في روايات الأصوات، حيث تعرض كل شخصية في الرواية الأحداث من وجهة نظرها.
2- السارد المصاحب (صديق البطل):
وهو شخصية روائية تَعرف إحدى الشخصيات وتحكي عنها على حسب المعلومات التي تعرفُها، وقد تظهر في الأحداث دون تأثير كبير، مثل:
"رأيته يستيقظ متأخرًا ويخرج من غرفته مسرعًا، وتذكرت أنه أخبرني أمس أن اليوم موعد امتحانه، وكانت تبدو عليه علامات الخوف؛ فقد كان يتنفس بصعوبة، وعندما عاد أخبرني أنه قابل في طريقه صديقه الذى كان متأخرًا مثله".
ثالثًا: استخدام ضمير السرد (أنت):
1- أنت بمعنى أنا: وهو أن الشخصية في الرواية تتحدث إلى نفسها، مثل:
"الآن ستخرج مسرعًا وتحاول أن تتنفس بهدوء؛ لكى يقل خوفك، وإذا قابلت صديقك في الطريق حاول أن تجعله يهدأ".
2- أنت المتوجهة للمتلقي: وهو أن الراوي أو الكاتب يحدث جمهوره، حيث يخاطب القارئ فجأة أثناء سرده للقصة، مثل:
"خرج بطلنا مسرعًا؛ لأنه كان مُتأخرًا وكان يشعر بالخوف من أن يفوته الامتحان، وفي طريقه قابل صديقه -الذى سأعرفك عليه فيما بعد- وقد كان يشعر بالخوف مثله".
ومعلومة مهمة جدًا بخصوص أنواع السارد، لا يشترط على الراوي أو الكاتب أن يلتزم بنوع واحد من أنواع السارد في جميع فصوله، بل من الممكن أن ينوع بين الأنواع طالما هذا لا يضر كتاباته ويزيدها جمالًا.
3- الربط بين خارج النص بداخل النص:
وهو عرض العلاقة التي بينهم مثلًا في المجموعة القصصية (اقتلها ليوسف إدريس)، كانت القصص فيها مُتأثرة بخارج النص الذي كان وقت العدوان الثلاثي، حيث جعل إحدى القصص فيها تحت عنوان (البطل) وتتحدث عن جندي يستطيع إسقاط طائرة فرنسية.
وأظن أنه بعد ذكرنا للكاتب والراوي يجب أن تعرف الفرق بينهما.
- الكاتب هو: الشخص الذي يوجد اسمه على غلاف الرواية، ويوجد خارج الرواية (النص).
- الراوي هو: السارد، ويكون داخل النص، وهو خلق متخيل ومُتبنى من قِبَل الكاتب، والذي صنع الراوي هو الكاتب، ويكون الراوي داخل وخارج النص، حيث أنه داخل النص يكون البطل في الرواية ويستخدم السارد نوع ضمير المتكلم (أنا) فيها، وخارج النص يكون الراوي غير متورط في الرواية، وبالتالي سوف يستخدمون في نوع السارد ضمير الغائب (ھو).
وفي الختام، التحليل تخصص واسع يشمل دراسات أدبية ولغوية، ونحن نستخدم اللغة؛ لتوظيفها في تحليل النص وليس لغاية فيها، وما ستطبقه على الأدب العربي من تحليل ونقد ينطبق على كل الأداب في العالم؛ لأن النظرية النقدية هي نظرية عالمية وليست محلية، ولكم نموذج تحليل أدبي لقصة البطل للكاتب يوسف إدريس .
