أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر المقالات

أسباب الانحدار الأدبي وحلوله!

ظاهرة الانحدار الأدبي:

نرى الانحدار الأدبي بارزًا على السطح في هذا الزمن كما لم يكن من قبل؛ فترى أن كل من يقرأ يدس نفسه غصبًا في مجال الأدب، وقد تساعده الشهرة والشعبية في ذلك؛ فيصبح لدينا شخص لا يفقهُ شيئًا عن أساسيات الكتابة ولا القواعد النحوية قد وُضِع لقب (الكاتب) قبل اسمه فقط لأنه معروف ومحبوب لقاعدة جماهيرية كبيرة لا علاقة لها بالقراءة، لكنها على استعداد لأن تشتري كتابه فقط لأنه من كتبه، وغيرها كانت أسباب الانحدار الذي نراه الآن.

literary-dictionary
أسباب الانحدار الأدبي وحلوله

أسباب الانحدار الأدبي:

القاعدة الأولى في حل أي مشكلة، هي معرفة سبب المشكلة من الأساس، إذ أن الحلول تُستنبَط من الأسباب، هذه المشكلة حدثت بسبب كذا وكذا وكذا.. إذًا فلنعالج السبب كذا وكذا وكذا.. لذا.. لنستحضر أسباب مشكلتنا.. حتى نمضي في حلها قُدمًا، وهيَ كالآتي:

سهولة النشر المؤلفات:

سببٌ لا بد من ذكره، وهو سهولة النشر، سواءً كان إلكترونيًا أو ورقيًا، من ناحية النشر الإلكتروني فمنصات النشر تملأ الإنترنت، بعضها لا يراجِع العمل المُقدّم، مما يجعلنا نرى أعمالًا تحمل من البذاءة قدرًا لا بأس به، ومنصات النشر الإلكتروني المجانية تكون أغلب الأعمال بها هابطة ولا ترتقي لأن تكون عملًا أدبيًا متكاملًا، لأسباب عديد، منها أن أكثر من يكتبون على هذه المنصات هم مبتدئون ولا يفهمون عن أساسيات وقواعد الكتابة شيئًا.

ولسهولة النشر على مواقع التواصل، نرى البعض ينشرون قصصهم على مجموعات متخصصة في نشر القصص المؤلفة وهم ليسوا إلا مبتدئين، فتجد الثناء ينهال عليهم من قراءٍ لم يعتادوا إلا على هذا النوع من الكتابة؛ فيثنون على الكاتب برأي سطحيٍّ لا يعرف إلا القليل عن الأدب، فيغتر الكاتب بنفسه ويظن أنه قد بلغ ذروة الاحتراف في الكتابة، وبالتالي يكف عن التطوير من نفسه؛ فقد رأى أنه قد بلغ قمة الجبل، فماذا قد يتسلق بعد ذلك؟ وتلك النظرة شديدة الخطورة إذ إنها توقف الكاتب عن التطور، ومهما كان علم المرء فعليه أن يزداد علمًا، وذلك في كل المجالات، ومنها الكتابة.

سياسة دور النشر التجارية:

وهو من أخطر الأسباب؛ فالأعمال التي تنتج منه تنتشر وتحصل على شهرة لا تستحقها، إذ يقرر شخص ما له بعض الشهرة على مواقع التواصل الاجتماعي كتابة رواية له ثم يبحث عن دار لتنشرها له، وهو متيقن أنه سيُقبَل لشهرته، ولحسن الحظ ليست كل دور النشر تحمل نفس السياسة، فبعضهم يهتم بجودة العمل قبل أن يهتم بهوية الكاتب، لكن هذه الفئة تغلبها فئة دور النشر التي تبحث عن المال والشهرة مع الأسف.

ولجهل هذا المشهور بقواعد الكتابة، فترى تشكيلة تملأ العمل من أخطاء إملائية وأخطاء نحوية وأخطاء بلاغية وأخطاء سردية؛ فيصبح العمل جديرًا بأن يُسمى (خطأ أدبي) وليس عملًا أدبيًا.

ولأن الشريحة الكبرى من متابعي المشاهير على مواقع التواصل الاجتماعي من المراهقين، وفي الغالب لا يقرأون، وإن قرأوا فيقرأون ما يقع تحت بند العمل المنحدر أدبيًا، تراهم يثنون على عمل هذا الشهير فقط لأنه هو كاتبه، ويدافعون عن العمل باستماته من يدافع عن بيته وأهله، ولكن هذا النوع لا يشمل الجميع؛ فالبعض لديه معرفة أدبية واسعة مبهرة في الواقع وفهم لعالم الأدب، الذي يحتاج غوصه عقلًا كبيرًا يقبل تجديد معلوماته.

التدني في أذواق القراء:

ولا أقصد بتدني الذوق أن القراء تعجبهم الأعمال الرديئة فقط، لا، بل مقصدي هو أن الذوق العام للقراء لم يعد كما سبق، بل تجد شريحة ضخمة تنجذب لرواية ما وعند قراءتها بأعين خبيرة ترى أنها عادية ولا تستحق كل هذه الضجة.

من يتعامل مع القراءة على أنها مطالعة لبعض الكلمات لتزجية الوقت فهو ليس قارئًا ملمًا بعالمِ الأدب، وبالتالي قد يبدي إعجابًا بعملٍ أدبي دون المستوى، ولا لوم عليه سوى أنه كان عليه أن يتعمق أكثر في هذا العالم، لكن انتشار الروايات متدنية المستوى على نطاق واسع له جماهير عريضة، قد جعل هذا القسم من الأدب بارزًا وبشدة، والأعمال التي تستحق الثناء بالفعل لا يتحدثون عنها إلا لمامًا.

قد يكون العمل الأدبي جيدًا بالفعل، لكن عندما نعطيه أكثر مما يستحق فهذا خطير، ترى شخصًا يقول بثقة: رواية (...) هي الرواية الأفضل في العالم؛ فترد عليه مستغربًا أن لا رواية تستحق هذا اللقب من الأساس، وأن الرواية جيدة لكن ليس لهذه الدرجة، وتوضح له بعض الأخطاء فيها فيستنكر قولك ويكرهه.

ومن وجهة نظري، فعرض المشاكل دون طرح الحلول يسمى (سلبية)، لذا علينا أن نتعقل قليلًا، لن يعود الأدب العربي كما كان، لكن على الأقل علينا تحسين ما لدينا الآن.

كيف نحد من الانحدار الأدبي:

ومع فهمنا للأسباب، فعلينا علاجها، مع تحليل نقاط ضعفنا يمكننا تحديد الحلول التي تعالج نقاط الضعف تلك، وهذا يمكننا القيام به بسهولة، الصعب هو التنفيذ، لكنه ليس مستحيلًا لو كنا فعلًا نريد الارتقاء بمستوى الأدب، وبعض الأفكار التي تساعدنا في ذلك نستعرضها لكم:

  • نشر الإفادة الأدبية:

عندما يكون متاحًا للجميع تعلم قواعد اللغة وأساسيات الكتابة وثوابتها، يصبح إنتاج عمل أدبي متكامل أمرًا ليس بالمستحيل، فعلى من لديه العلم أن يُعَلِّم، ومن لا يملك العلم فعليه أن يسعى للتعلم، وإذا اكتمل الشرطان وأصبح لدينا معلمٌ ومُتَعَلَّم، فالمتعلم صار قادرًا على إنتاج عمل أدبي، يمكنك أن تكون معلمًا فقط بنشرك لمعلومة أدبية مهمة للكتابة، بالطبع هي لا تكفي، لكن تلك تحفز المرء الذي يريد التعلم على البحث والاستماع والقراءة، وقد تفيده حقًا في عقدة قد استوقفته في منتصف عمل أدبي مثلًا، لذا عليك نشر المعلومة إذا عرفتها وتأكدت من صحتها، وعلى غيرك الاهتمام بها والبحث وراءك والتأكد، ودراسة الأمر على نطاق أوسع.

وعليك قبل نشر المعلومة، أن تعرف إن كنت مؤهلًا لشرحها أم لا؛ كي لا يقع القارئ في فهم خاطئ بسبب سوء شرحك ولا يبحث فيقع في ثغرة أدبية في عمله، ولتجنب هذا عليك أيها الناشر إجادة الشرح، وأيها المتعلم عليك بالبحثِ ثم البحث ثم البحث... ثم الكتابة.

  • إعطاء كل عمل قدره الحقيقي:

علينا في البداية أن نملك المعرفة الأدبية الكافية لنقيم العمل ونرى إن كان رديئًا أم جيدًا، حتى لو كان العمل جيدًا فعلينا ألا نرفع من قيمته بشكل لا يستحقه، اعطِ كل عمل حقه وقدره الحقيقي ولا تزد ولا تنقص.

أما عن الأعمال التجارية، فإن كانت جيدة فلا بأس، وهذا نادر الحدوث،لأنه في الغالب لا يكون كُتّابها كُتّابًا في الأساس، بل رأوا الزحام حول معرض الكتاب فأغرتهم الشهرة الزائدة (رغم شهرتهم السابقة)، فنشروا عملًا لا يرتقي لأن يكون عملًا أدبيًا، لذا علينا إعطاؤهم قدرهم ولا نُزد في تبجيل وتعظيم العمل، فالمراهقين الذين يقرأون فحسب دون رؤية أدبية يزدادون بسبب هذا، وبدلًا من توبيخهم علينا إرشادهم وحجب كل هذا عنهم وعدم الكلام عليه ولو حتى بالسوء، فنشرك لمنشور تنتقد فيه عملًا أدبيًا لشخص معروف في مواقع التواصل الاجتماعي سيجعل من كان لا يعرف يعرف، وهذا أمر لا يستحقه العمل.

  • النقد للأعمال الأدبية:

والبعض يكره أن يوجه له نقدٌ مع الأسف، رغم أن لا عيب في هذا الأمر، فكلنا نحتاج النقد؛ لتطوير أنفسنا، إذ إنه لا عمل كامل، وعدم النقد يجعل الكاتب يرى أن لا مشكلة في عمله الأدبي، بالتالي لا يسعى لإصلاحها.
ولكن هناك نوعين من النقد، النوع الأول وهو النقد البنّاء، وهو عرض المشكلات والثغرات في العمل بشكل لطيف ليس فيه إساءة للكاتب ولا للعمل، والنوع الثاني أسميه (النقد الهدام)، وهذا هو السخرية من العمل بشكل عام، وأحيانًا كاتبه، وهذا النوع لا يفيد في شيء، بل في الواقع قد يخسرنا قلمًا كان من الممكن لو حصل على نقد بناء أن يتحسن ويفعل ما هو أفضل.
أما إن كنت لا تقبل النقد، فأنت تأبى التحرك وتخشى فكرة أن يكون عملك ناقص، لا نقلل من موهبتك بانتقادك، بل نسعى إلى تنميتها، حتى الأدباء الكبار يحتاجون النقد؛ فهو مهم لتنمية مستواك في الكتابة ويجعل منك كاتبًا ماهرًا.

وفي النهاية، يمكننا القول بأنّ هذه المشكلة قد تستغرق سنوات حتى نتمكن من حلها، لكنّ الأمر يستحق، وعلينا أن لا ننسى الكُتّاب المخضرمين المنتشرين في وقتنا الحالي، إذ أنهم يقدمون أدبًا فريدًا، وعلينا أن نمضي لجعل هذا النوع من الأدب هو الذي يرمز للأدب العربي فعلًا، أدب عريق عظيم، من الصعبِ أن ترى مثله.

أدهم نصار
أدهم نصار
كَاتِبُ مَقالات "لَدَى كَوْن" مُتَخَصِّصٌ فِي الغُمُوضِ وَالمَاوَرَائِيَّاتِ.
تعليقات