ظاهرة الانحدار الأدبي:
نرى الانحدار الأدبي بارزًا على السطح في هذا الزمن كما لم يكن من قبل؛ فترى أن كل من يقرأ يدس نفسه غصبًا في مجال الأدب، وقد تساعده الشهرة والشعبية في ذلك؛ فيصبح لدينا شخص لا يفقهُ شيئًا عن أساسيات الكتابة ولا القواعد النحوية قد وُضِع لقب (الكاتب) قبل اسمه فقط لأنه معروف ومحبوب لقاعدة جماهيرية كبيرة لا علاقة لها بالقراءة، لكنها على استعداد لأن تشتري كتابه فقط لأنه من كتبه، وغيرها كانت أسباب الانحدار الذي نراه الآن.
![]() |
| أسباب الانحدار الأدبي وحلوله |
أسباب الانحدار الأدبي:
القاعدة الأولى في حل أي مشكلة، هي معرفة سبب المشكلة من الأساس، إذ أن الحلول تُستنبَط من الأسباب، هذه المشكلة حدثت بسبب كذا وكذا وكذا.. إذًا فلنعالج السبب كذا وكذا وكذا.. لذا.. لنستحضر أسباب مشكلتنا.. حتى نمضي في حلها قُدمًا، وهيَ كالآتي:
سهولة النشر المؤلفات:
سببٌ لا بد من ذكره، وهو سهولة النشر، سواءً كان إلكترونيًا أو ورقيًا، من ناحية النشر الإلكتروني فمنصات النشر تملأ الإنترنت، بعضها لا يراجِع العمل المُقدّم، مما يجعلنا نرى أعمالًا تحمل من البذاءة قدرًا لا بأس به، ومنصات النشر الإلكتروني المجانية تكون أغلب الأعمال بها هابطة ولا ترتقي لأن تكون عملًا أدبيًا متكاملًا، لأسباب عديد، منها أن أكثر من يكتبون على هذه المنصات هم مبتدئون ولا يفهمون عن أساسيات وقواعد الكتابة شيئًا.
ولسهولة النشر على مواقع التواصل، نرى البعض ينشرون قصصهم على مجموعات متخصصة في نشر القصص المؤلفة وهم ليسوا إلا مبتدئين، فتجد الثناء ينهال عليهم من قراءٍ لم يعتادوا إلا على هذا النوع من الكتابة؛ فيثنون على الكاتب برأي سطحيٍّ لا يعرف إلا القليل عن الأدب، فيغتر الكاتب بنفسه ويظن أنه قد بلغ ذروة الاحتراف في الكتابة، وبالتالي يكف عن التطوير من نفسه؛ فقد رأى أنه قد بلغ قمة الجبل، فماذا قد يتسلق بعد ذلك؟ وتلك النظرة شديدة الخطورة إذ إنها توقف الكاتب عن التطور، ومهما كان علم المرء فعليه أن يزداد علمًا، وذلك في كل المجالات، ومنها الكتابة.
سياسة دور النشر التجارية:
وهو من أخطر الأسباب؛ فالأعمال التي تنتج منه تنتشر وتحصل على شهرة لا تستحقها، إذ يقرر شخص ما له بعض الشهرة على مواقع التواصل الاجتماعي كتابة رواية له ثم يبحث عن دار لتنشرها له، وهو متيقن أنه سيُقبَل لشهرته، ولحسن الحظ ليست كل دور النشر تحمل نفس السياسة، فبعضهم يهتم بجودة العمل قبل أن يهتم بهوية الكاتب، لكن هذه الفئة تغلبها فئة دور النشر التي تبحث عن المال والشهرة مع الأسف.
ولجهل هذا المشهور بقواعد الكتابة، فترى تشكيلة تملأ العمل من أخطاء إملائية وأخطاء نحوية وأخطاء بلاغية وأخطاء سردية؛ فيصبح العمل جديرًا بأن يُسمى (خطأ أدبي) وليس عملًا أدبيًا.
ولأن الشريحة الكبرى من متابعي المشاهير على مواقع التواصل الاجتماعي من المراهقين، وفي الغالب لا يقرأون، وإن قرأوا فيقرأون ما يقع تحت بند العمل المنحدر أدبيًا، تراهم يثنون على عمل هذا الشهير فقط لأنه هو كاتبه، ويدافعون عن العمل باستماته من يدافع عن بيته وأهله، ولكن هذا النوع لا يشمل الجميع؛ فالبعض لديه معرفة أدبية واسعة مبهرة في الواقع وفهم لعالم الأدب، الذي يحتاج غوصه عقلًا كبيرًا يقبل تجديد معلوماته.
التدني في أذواق القراء:
ولا أقصد بتدني الذوق أن القراء تعجبهم الأعمال الرديئة فقط، لا، بل مقصدي هو أن الذوق العام للقراء لم يعد كما سبق، بل تجد شريحة ضخمة تنجذب لرواية ما وعند قراءتها بأعين خبيرة ترى أنها عادية ولا تستحق كل هذه الضجة.
من يتعامل مع القراءة على أنها مطالعة لبعض الكلمات لتزجية الوقت فهو ليس قارئًا ملمًا بعالمِ الأدب، وبالتالي قد يبدي إعجابًا بعملٍ أدبي دون المستوى، ولا لوم عليه سوى أنه كان عليه أن يتعمق أكثر في هذا العالم، لكن انتشار الروايات متدنية المستوى على نطاق واسع له جماهير عريضة، قد جعل هذا القسم من الأدب بارزًا وبشدة، والأعمال التي تستحق الثناء بالفعل لا يتحدثون عنها إلا لمامًا.
قد يكون العمل الأدبي جيدًا بالفعل، لكن عندما نعطيه أكثر مما يستحق فهذا خطير، ترى شخصًا يقول بثقة: رواية (...) هي الرواية الأفضل في العالم؛ فترد عليه مستغربًا أن لا رواية تستحق هذا اللقب من الأساس، وأن الرواية جيدة لكن ليس لهذه الدرجة، وتوضح له بعض الأخطاء فيها فيستنكر قولك ويكرهه.
ومن وجهة نظري، فعرض المشاكل دون طرح الحلول يسمى (سلبية)، لذا علينا أن نتعقل قليلًا، لن يعود الأدب العربي كما كان، لكن على الأقل علينا تحسين ما لدينا الآن.
