أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر المقالات

المثالية العمياء ما بين التنظير وسياسة القطيع.

بالتأكيد سألت نفسك مرات عدّة هل أنا مثالي بالشكل الكافي؟ هل عيوبي تقتنص من مميزاتي وتجعلها غير موجودة؟ لماذا أصبحتْ المجتمعات تدعو إلى المثالية المفرطة في كل شيء تدريجيًا مع سيطرة عصر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى؟ هل تلك المعايير حقيقية أم لا؟

معنى المثالية ومفهومها:

من وجهة نظري أن الخطأ يكمن في العنوان الذى صارت توضع عليه بقية أحجار البناء؛ فالمثالية صارت تُتخذ كتعريف منهجي يضعه أي شخص حسب ميوله، معتقداته، أسلوب حياته، وآراء المحيط من الناس الخاص بعالمه هو، وعلى حسب المعايير التى يرتضيها كل شخص على نفسه يبدأ في الترويج لها ونشرها، حتى تصير قيودًا لا بد من الالتزام بها، ومع تغير الفكر مرة أخرى ينبغي حينها أن يُطلق معنى آخر للمثالية ومعايير مختلفة تتفق مع كل جديد!

ومن هنا نجد أن التعريف عدمي وسؤال -ما هى المثالية؟- يتنافى مع المنطق الذي من المفترض أن يضع إجابة ثابتة وواضحة يُبنى عليها تصرف الإنسان مع ذاته، فمن الجنون أن يظل الإنسان يغير من معاييره أو شكله كلما ارتضتْ آراء المجتمع المتجددة ذلك والواقع أنك وبتلك الطريقة تضع نفسك مستعبدة تحت الصيحة وتذبذب الأراء وتتحول تدريجيًا لآلة مُسخّرة للركض خلف الأفكار الجديدة التى صارت تؤيدها الناس في فترة معينة؛ كي يصدق المجتمع على أحقيتك بالحصول على شرف لقب (المثالي). 

دور مواقع التواصل الاجتماعي في نشر المثالية: 

لو قارنت بين حياة الأشخاص الذين عاشوا جزءًا من أعمارهم في حقبة ما قبل الإنترنت، ستجد أنهم عانوا بنسبة أقل من الزعم نحو المثالية والتنمر، فعلى سبيل المثال كان شكل الجسد لا يمثل عائقًا كبيرًا أمام معظم هؤلاء الناس في اختيار شريك الحياة أو حتى الصديق الذى يقف بجوارك في مكان، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مفرط صارت هناك صورة أساسية وواحدة للجسد -سواء للذكر والأنثى- يجب أن يتواجد عليها وإلا يصبح منبوذًا ويفرض عليه المجتمع الحدّ الذي يمنعه من العيش كأي إنسان طبيعي وإنما يعيش كشخص مولود بعلّة لا بد له من التخلص منها في أسرع وقت؛ كي يصبح مقبولًا وسط بقية البشر مثله ويتلقى منهم علامة الرضا!

لذلك فإن الانفتاح الذي صار مبالغًا فيه وميل الأشخاص لمشاركة كل تفاصيل حياتهم على حساباتهم الإلكترونية وانتشار الهوس بجمع الإعجابات والمشاركات يفرض على الإنسان أغلالًا تسوقه إلى حيث تحقيق تلك الإعجابات عن طريق لفت الأنظار ومحاولة إبهار الجميع؛ فيصير الشخص متعطشًا لكل جديد تتسمر أمامه الأعين وتفرغ الأفواه به وتضرب الأيادي مصفقة له! وهذا تدريجيًا بدأ يبيح داخل النفس البشرية أحقيات غريبة بالتدخل في حياة غيرهم والتحكم بمظهرهم أو طعامهم أو حتى طريقة شربهم، وقد يصل الأمر في كثير من الأحيان إلى ممارسة التنمر على الغير بدون وعي! والذى صار شيئًا مقبولًا تدريجيًا.

ونقلاً عن بعض الخبراء النفسيين الذين أكدوا على أن كثيرًا من حالات الاكتئاب صارت تسببها مواقع التواصل الاجتماعي وشعور الإنسان المستمر بنقصه وعيوبه؛ فيدخل الإنسان فى دوّامة لا تنتهي من عَقد المقارنات التي صارت تُجرى على كل شيء وعلى أي شخص يراه على حسابه، وكثير من التجارب الشخصية بيّنت أن البُعد عن استعمال مواقع مثل (الانستغرام) صار يقلل من ذلك الشعور المستمر بالنقص، الأكيد أن لكل شخص عيوب جمّة، وأنه لا يوجد أبدًا ذلك الشخص المثالي الذي تبحث عنه مواقع التواصل الاجتماعي.

هل يوجد إيجابيات فى البحث عن المثالية؟ 

كما وضحتُ سابقًا، فمصطلح المثالية نفسه يحتاج للتعديل، وحين تكون المثالية مجرد تنظير يمارسه الشخص متظاهرًا بأنه يرغب في وصول الطرف الثاني للأفضل، فهذا في واقع الأمر تلاعب يقوم به أشخاص لو بحثنا فى حياتهم أنفسهم لن نجدهم يطبقون كلامهم، وهنا يأتي دور سياسية القطيع؛ فمعظم البشر صاروا يرددون معاييرَ معينة عن الجمال والأخلاق من دون التفكير في صحتها، حتى صارت تطبّعًا تنقله الألسنة بلا وعي، والمجتمع صار يبيح التنمر والتعليق على أشكال وأجساد وبشرة الغير بعد تغليفه في صورة نصيحة إيجابية، والواقع أن مكنونها خبيث؛ فلا يمكن أن تُولد إيجابية من رحم سلب!

لكن على كل إنسان أن يصير متأكدًا من زيف الادعاء إلى وجود شخصية كاملة ومثالية في كل شيء؛ لأن ذلك صار يصعّب على الإنسان تقبل عيوب غيره، كشريك حياته مثلًا أو صديقه، أو حتى عيوب نفسه؛ لأن الناس صارتْ تستميت في كونها تبدو على الحال الأروع مهما ضربتهم رياح الحياة وعصفتْ بهم شرورها، لذلك فإن الإيجابية يجب أن تتواجد في السعي نحو أن تكون شخصًا أفضل في الأشياء التى يمكنك إصلاحها، أو الطباع التي يبغضها الله فينا، ولكن لا توجد أيّة إيجابية من أن تسعى لأن تكون مثاليًا؛ لأنك في تلك الحالة تصبح كمَن رقد ليلًا ونهارًا في حلب بقرته التي بلغت سن اليأس!

دور الأهالي في وضع الحدّ للمثالية العمياء:

لو بحثنا في أصل أية مشكلة في المجتمع سنجدها تصب نحو التربية ومدى وعي الآباء بالأفكار التى ينقلونها لأبنائهم؛ فالكثير من الأهالي يخضع وبشكل عنيف لقول ذاك وذاك ويهتمون بإظهار أولادهم بالصورة المثلى التى سيرضى عنها مَن حولهم بها، وليست تلك التى تناسبهم فعلاً، فكثيرًا ما سمعنا عن الأم التى تؤنب ابنها على كونه حصل على المركز الثاني، في حين حصل ابن خالته على الأول، والابنة التي يجب أن تخسر الوزن؛ لأن كل بنات العائلة نحيفات وهي الوحيدة التى وُلدت سمينة!

لو قام الأباء بدور حازم في رفض تلك الأفكار وعدم تأكيدها من خلال حث أبنائهم على تنفيذها فتدريجيًا سوف تختفي من عقولهم، وبالتالي سيشرق نهار قد يبدو جديدًا على مجتمعنا، ولو حرص الآباء على تقديم النصح لأبنائهم الذي يرتضونه من واقع خبراتهم ورشدهم، لا عن طريق مدّ النظر إلى أحوال الآخرين، تلقائيًا سيكبر الأبناء أسوياء في تلك النقطة ومن دون أن يكرروا نفس المعاناة مع نسلهم.

ومن جيل وراء جيل إلى ما لا نهاية! فمن الضروري أن يتدخل الآباء؛ لوقف الأحاديث التي تمتطي تلك النبرة من فرض التعليقات والتنمر، لا أن يسترسلوا فيها ويروا أنها صائبة! كل نبتة مجتمع بذرتها الأهل!

وفي الختام، نصيحتي لكل شخص تؤرقه فكرة المثالية هي: أن الله خلقنا على الهيئة التى ارتضاها علينا، لا تغيري لون بشرتك بمساحيق التجميل، ولا تغيّر سمة جميلة من شخصيتك طالما تُرضي الله ولا تُرضي الناس! ليكن الآباء عونًا، وليخرجوا من قوقعة الانجراف وراء جعل أبنائهم في صورة تتفوق على كل مَن يحيط بهم، ولنترك لهم الفرصة ليعيشوا حياتهم كما يحبوها أن تكون، ولا تجعلوا كل رؤيتكم على مواقع التواصل هي محرككم الأول، بل اجعلوها الدين والأخلاق والرضا بكل ما وهبنا به الله، ولتحب نفسك؛ لأنها جميلة.
نانسي محسن
نانسي محسن
نانسي مُحسن، كاتبة مصرية، وكاتبة مقالات ومراجعة لدى موقع كون.
تعليقات