ما هو معنى الحب؟
- فالحب لغة: هو نقيض البغض، وأصل هذه المادة يدل على اللزومِ والثبات؛ فتقول: أحببتُ الشيء فأنا مُحِب، وهو مُحَب.
- والحب اصطلاحًا: هو الميل إلى الشيء السار. وقال الراغِب: (الحب: مَيل النَّفسِ إلى ما تراه وتظنه خيرًا).
- والحب من رأيي: هو تلك المشاعر الدافئة المؤثرة على عدّة مشاعر أخرى وعلى قلبك، وتدفع صاحبها نحو الحياة أو نحو الممات؛ لتظهر لنا شخصية جديدة أكثر تعلقًا وأكثر إصرارًا حتى صاحبها لا يعرفها!
حكم الحب في الشرع:
مع مرور الأعوام زادت أعداد المتفلسفين في الدين ليصدروا أحكامًا وكأنها الشرع! فأصبحوا أداة لتشوية الدين وقلبك، ومن ضمن الفلسفات التي انتشرت أن الحب مُحرم في ديننا، وفي الحقيقة حُكم الحب في الشرع يكون حسب النوع؛ فمنه ما هو مشروع ومنه ما هو مذموم، ومنه الجبلي الفطري، والاختياري المكتسب، فلا يصح أن يُصدر شخص أو حتى شيخ حكمًا ثابتًا ومحددًا للحب؛ لأن حكمه يختلف باختلاف نوعه، وهنا سيأتي في خاطرك أيها القارئ سؤالٌ جديد، وهو ما هي أنواع الحب؟
أنواع الحب في الإسلام:
محبة الله ورسوله.
وهي فرض على كل مسلم ومسلمة، بل إن تلك المحبة شرط من شروط الإيمان؛ حيث قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) {البقرة:165}، وقال ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) متفق عليه. وهذه المحبة تستلزم طاعة المحبوب.
حب المؤمنين والعلماء والصالحين.
هو من أفضل القرب وأجلّ العبادات التي يُتقرب بها إلى الله؛ حيث قال ﷺ: (ثلاث مَن كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود للكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) متفق عليه.
محبة الوالدين وسائر القرابات.
وهي من الحب الفطري؛ فكل إنسان مفطور على حب أبويه، إذ هما من أحسنا إليه صغيرًا وسهِرا عليه وتعِبا من أجله، وهذه الأنواع من الحب مندوبة مأمور بها، أمر إيجاب أو استحباب، على تفصيل في الشرع، ليس هذا مكان تفصيله.
ولا تحزن أيها القارئ إذا كثرت خلافاتك مع أهلك وأصبح الشيطان يوسوس لك أنك منبوذ حتى من أهلك، استعذ بالله وتقرب منهما وادعُ الله؛ فإن باءت كل الطرق بالفشل فالزم الدعاء وأعلم أنها دنيا فانية، لا بأس إن لم تذق هذا اللون من الحب، في الجنة تذوق منها أطنانًا بإذن الله.
محبة الصحبة والرفقة.
وأما إذا كانت صحبتك صحبة سوء تضرك وتضر دينك فحبها مكروه وقد يصل إلى التحريم، ولا تقل أنا لا أتضرر منهم أو أقلدهم؛ فقد قال ﷺ: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم إلى من يخالل)؛ فحتى لو قلت بلسانك وأصررت بأفعالك فأنت تتضرر من حيث لا تدري ولا تشعر.
محبة أهل الفسوق والعصيان والكفرة.
الحب بين الفتيان والفتيات:
وهو اللون المشهور من ألوان الحب وينقسم إلى قسمين:- الأول: رجل قُذف في قلبه حب امرأة مع التزامه بشروط الحب؛ فاتقى الله تعالى وغض طرفه، حتى إذا وجد سبيلًا إلى الزواج منها تزوجها، وإلا يصرف قلبه عنها؛ لئلا يشتغل بما لا فائدة من ورائه فيضيع حدود الله وواجباته، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (لم ير للمتحابين مثل النكاح) رواه ابن ماجه.
- الثاني: من تمكن الحب من قلبه؛ بسبب عدم التزامه بشروط الحب مع عدم قدرته على إعفاف نفسه، حتى انقلب هذا إلى عشق، وغالب ذلك عشق صور ومحاسن، وهذا اللون من الحب محرم، وعواقبه وخيمة.
شروط الحب في الإسلام:
وهي تلك الشروط التي تحفظ قلبك وترزقك الحب الحلال النقي، وفي المجمل، ألوان الحب يشترط فيها أن تنفعك وتنفع دينك، لكن الحب بين الفتيان والفتيات يشترط فيه عدّة شروط لحماية قلبك عند الاختلاط؛ ليجعل الحب في قلبك واقعه لذيذ تشتاق له فالاختلاط يكون:
- بحاجة: أي أن التعامل بين الطرفين لا ينشأ إلا بسبب حاجة أو أمر سيُقضى.
- عند الحاجة: أي أن التعامل بين الطرفين لا ينشأ إلا عند الضرورة؛ فإذا كان هناك من في جنسك يستطيع أن يقضي حاجتك فلا يجوز الاختلاط.
- بِغض البصر من الطرفين: أي أنه إذا لزم التعامل بين الطرفين وجهًا لوجه فيجب غض البصر من الطرفين.
- بعدم الخضوع بالقول: أي أنه عند التعامل فيشترط على الأنثى ألا تخضع بالقول، فلا تغير من نبرة صوتها عن قصد أو تتميع في الكلمات.
- بدون خلوة: أي أنه عند التعامل يلزم عدم الخلوة؛ حيث قال ﷺ: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما).
لغات الحب:
وعند قراءة البعض لعنوان الفقرة قد يظنون أن الحديث سيدور حول كتاب لغات الحب الخمس للكاتب غاري تشابمان، وفي الحقيقية لن أتطرق لهذا الكتاب، بل سأعرض لك بعض لغات الحب الموجودة في الإسلام؛ لتتيقن أن الإسلام لم يترك لك صغيرة أو كبيرة دون يوضحها.
وكما ذكرت سأذكر البعض وليس الكل؛ فلغات الحب كثيرة في الإسلام، ومن أبرزها:
- العون على الطريق: من لغات الحب الجميلة التي يكون أثرها على الطرفين، ولا أظن أن هناك دليل أفضل على الحب من أن يكون مراد الشخص دخول الجنة معك! ولأنها من لغات الحب العظيمة جعل الإله لها الكثير من الثواب، كما ذكر في العديد من الأحاديث.
- الكلمات الداعمة والواضحة: من لغات الحب الدافئة؛ ففكرة أن يعبر لك أحد عن مشاعره بكل صراحة ويخبرك كم هو سعيد بك أو فخور بك لهي فكرة دافئة مليئة بالحب، ومن حب الإله لنا جعل الكلمة الطيبة صدقة، ولا أظن أن هناك أطيب من الاعتراف بمشاعرك ومدح من تحب.
- التبسم: الوجه البشوش لهو راحة نفسية ومن لغات الحب المريحة، فأن ترى وجهًا يتبسم لك رغم الضغوط لهو نعمة من الله؛ فتجد عدوى التبسم تصيبك، وما أجملها من عدوى! ومن لُطف اللطيف بنا جعلها هي الأخرى صدقة.
- الهدية: هي رمز من رموز الحب وليست فقط لغة من لغات الحب، وهي من الأشياء التي تزيد المحبة كما قال ﷺ: (تهادوا تحابُّوا)، ولا يشترط أن تكون غالية الثمن أو كبيرة الحجم؛ فالهدية جمالها في صاحبها وليس بها.
- الدعاء: من لغات الحب المميزة، فقد قال ﷺ: (دَعوة المرء المسلم لأخيه بِظهر الغيب مستجابة، عند رأسهِ ملك مُوكل كلمَا دعا لأخيه بخير قَال المَلك المُوكل بهِ: آمِين، ولَك بمثلٍ)، فأن يذكرك أحدهم في دعائه وهو في ذروة خشوعه مع الله لهو الحب بحد ذاته.
الإعجاب والحب عملة واحدة!
لا تقلق أيها القارئ، فالعنوان لإثارة الجدل وليس بهدف التكرير، فقد استغللت المقال لأوضح الفرق بينهما؛ لتعلم أن ليست كل دقات قلبك حب، فقد تكون خوفًا في بعض الأحيان!
والفرق بين الحب والإعجاب فرق جوهري؛ فالإعجاب يكون مرهون بوجود شرط، مثلًا إعجاب بذكاء أو بعمل أو بأسلوب الشخص فقط دون وجود مشاعر، أما الحب يكون إعجابًا بالشخص مع وجود مشاعر، والرغبة الدائمة في التواصل مع الشخص والاهتمام برأيه وبما يحب وهكذا.
لذلك يُعتبر الحب أكثر شمولًا، حيث أنّه يضم أيضًا الشعور بالإعجاب تجاه الطرف الآخر، والاهتمام بجميع النواحي من حياة، وسلوكيات، وشخصية وغيره، كما أنّه عاطفة تُقرّب الطرفين، وتجعلهما يتشاركان الكثير من الأمور، في حين أنّ الإعجاب يُعد شعورًا محصورًا وأقل شمولاً ومشاركة للطرف الآخر.
الحب في سيرة أشرف الخلق ﷺ:
في مجتمع يخجل من الحب ويرى أن الحب ينقص من شخصية الرجل ويجعله ضعيفًا أثبت سيد الخلق أن الحب خلق للرجل، وأنه ما دخل قلب الرجل إلا زاده، ومن مواقف السيرة التي ترسم الابتسامة على الوجه أنه كان الصحابي زاهر الأسلميُّ -رضي الله عنه- أعرابيًّا كلما قدم إلى المدينة أحضر الهدايا من البادية لرسول الله ﷺ، كما كان الرسول أيضًا يُهدي له ويقول فيه: (زاهِر بادِيَتنا ونحنُ حاضِرتُه)، وفي يومٍ كان زاهر في السُّوق، فرآه رسول الله ولم ينتبه زاهر له؛ فأتى النبي من خلفه بخفةٍ وأمسكه من الخلف واحتضنه وقال -عليه الصلاة والسلام-: (من يشتري هذا العبد)؟ فالتفت زاهر فإذا به رسول الله ﷺ يُمازحه فألصق زاهر ظهره بصدر النبي وسأله: أتجدني كاسدًا يا رسول الله؟ أي قليل السعر؛ مُعتقدًا ذلك بسبب قبح شكله، فأجابه ﷺ أنّه غالٍ عند الله.
ومن المواقف التي تسعد القلوب أيضًا عندما سأل عمرو -رضي الله عنه- رسول الله قبل الخروج للغزو عن أحب الناس إليه، فقال ﷺ: عائشة، فسأله عن أحَبِّ النَّاسِ إليه مِن الرِّجالِ، فقال ﷺ: (أبوها)، أي: أبو بكر الصديق؛ فقال عمرو: (ثم مَن؟) فقال ﷺ: عمر، ثم عد رجالًا، يَعني: ذكر بَعض الرجال الآخرين بعد أبي بكر وعمر رضي الله عنهم جميعًا.
الحب دائمًا نعمة؟
في الوهلة الأولى عند ذكر الحب تتذكر دقات قلبك المتسارعة ولحظات الانبهار والقلوب المتناثرة من عينك، لكن أفق أيها القارئ نحن لسنا في كوكب زمردة، نحن في دنيا فانية!
وفي حقيقة الأمر، الحب ليس دائمًا نعمة؛ فأحيانًا يكون نقمة وأشد نقمة؛ فكم خُذل القلب من رفقة وأصدقاء تعلقنا بهم وأحببناهم، وكم أحب القلب ذنبًا يهلكنا ويجرنا إلى جهنم جرًا، وكم سكبنا من الحب كؤوسًا والقلب مشتاق لبعض القطرات، وكم ذرفنا من الدموع سيولًا من أجل الحب!
لكن لا تبتئس؛ فهي في النهاية دنيا فانية ولا أقول أن تبتسم وتضحك على آلامك وأحزانك بل رمم أحزانك، وابكِ عليها بالقدر المطلوب دون مبالغة أو تفريط، وأبشري فهي فانية!
وفي الختام، ها أنا الآن أزلت أول آثار التدنيس من قلبك؛ لتعلم أن الحب لم تتم إهانته إلا عندما بَعُدَ عن الدين، وأتمنى أن تثير حروفي قلبك لتجعله أكثر شوقًا لتذوق ألوان الحب واستخدام لغات الحب؛ لتنشر الحب من حولك دون خجل أو خوف.
واعلم أن: (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) كما قال رسول الله ﷺ، وأن التعلق بغير الله مذلة وكما قال إبراهيم بن أدهم: (لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف)؛ فحبك وتعلقك بالله لو كان صادقًا لكفاك وأغناك عن جميع ألوان الحب، وهذا هو المراد.
