أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر المقالات

كيف أثرت المرويات الإسرائيلية على عقول المسلمين؟

عن المرويات الإسرائيلية:

مؤكد أنك سمعت خلال فترات من حياتك عن قصة خاتم سليمان العظيم، وعن الرجل الذي وصل طوله إلى الشمس، ولم يجد عقلك تفسيرًا لذلك! لكن هل كنت تعلم بوجود روايات وأحاديث تنسب إلى النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بالباطل والكذب؟ وهي في الحقيقة قد جاءت وانتشرت قصصها من المرويات الإسرائيلية! إذًا ما هي تلك المرويات؟ وكيف أثرت على عقول المسلمين حتى يومنا هذا؟

كيف أثرت المرويات الإسرائيلية على عقول المسلمين؟

مفهوم المرويات الإسرائيلية:

المرويات هي: مصادر وردت في الإسلام مأخوذة من اليهودية، وقسم منها مأخوذ من المسيحية، ومن هنا نجد أن بعض معلومات هذه المصادر لم تذكر في القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية. وقد تحدثت هذه المرويات عن بعض قصص الأنبياء والأحكام الدينية من منظور اليهود والنصارى؛ ولذلك سمّاها السياق الإسلامي (بالإسرائيليّات). وقد يخطر في ذهنك سؤال، وهو لماذا قد تدخل نصوص إسرائيلية جوانب الإسلام والقرآن من الأساس؟ والجواب هو أن تلك المرويات لم تبقَ منحصرة على اليهود فحسب، وإنما ذاعت بين المسلمين واخترقت أسماعهم وعقولهم في واحدة من الفترات بطريقة ما، وصارت شائعة وواصلة، وهذا يقودنا إلى السؤال عن ماهية تلك الطريقة!

كيف انتقلت الإسرائيليات إلى الإسلام؟:

أغلب الذين دسوا مثل هذه الأخبار ونسبوها إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- هم طائفة الزنادقة، وهم الذين ادعوا أنهم مسلمون، ودخلوا فيه عن خبث بغرض الطعن والافتراء على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. أيضًا كان للإسرائيليات أثرٌ سيّء على علم التفسير؛ لأن الأمر لم يقف على ما كان في عهد الصحابة، بل زاد ودخل فيه النوع الخيالي المخترع؛ فوضعوا الشكوك في طريق المفسر، إذ أنه أصبح يشك فيها جميعًا لاعتقاده أن الكل من واد واحد! لكن لم يخفَ أمرهم على المسلمين الذين تصدوا لهذه الظاهرة، وكشفوا حقيقة هذه الأخبار وأثبتوا كذبها وزيفها، ووزنوا الروايات بميزان دقيق، وطبقوا عليها منهجهم الفريد في النقد، ولكن المؤسف أن بعض خرافات الإسرائيليات ما زالت موجودة حتى يومنا هذا، بل ويصدقها المسلمون ويؤمنون بها على اعتقاد تام بأنها صحيحة ولا خطأ بها!

أكاذيب في الإسرائيليات:

والأشهر على المسامع هي قصة سيدنا سليمان والخاتم الذي كان في باطن السمكة، فشق سيدنا سليمان بطنها وأخذ الخاتم من جوفها؛ فلبسه ودانت له الإنس والجن والشياطين -بالطبع-، والمفاجأة لك أن هذه القصة ما هي إلا افتراء افتراه بنو إسرائيل على نبي الله سليمان! فالحقيقة أن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا النبيّ، وقد عصم الله الأنبياء من مثله. والسؤال الذي في الصميم هو أنه إذا كان خاتم سليمان -عليه السلام- بهذه المثابة، فكيف يغفل الله عن شأنه في كتابه الشاهد على الكتب السماوية ولم يذكره بكلمة واحدة؟ الواقع أن الافتراءات لم تصل إلى نهاية طريقها هنا، وإنما وصل وأحاط كذبها بأول الخلق!

قصة سيدنا آدم:

عندما خلق الله سيدنا آدم وزوجته السيدة حواء ونهاهما عن الشجرة، وكانت الملائكة تأكل من ثمار هذه الشجرة حتى يخلدوا، ولكن أراد الشيطان -عليه اللعنة- أن يوسوس لهما حتى يغضب الله عليهما؛ فدخل في جسد الحية، والتي كان لها أربع قوائم كالبخيت -أحسن دابة خلقها الله- فأخذ من ثمار الشجرة التي نهى عنها الله آدم وحواء وجاء بها إلى حواء، فقال: انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها! فأخذت حواء فأكلت منها، ثم ذهبت إلى آدم، فقالت له مثل كلمات إبليس حتى أكل منها آدم، فبدت لهما عورتهما، ودخل آدم -عليه السلام- في جوف الشجرة فناداه ربه: أين أنت يا آدم؟ قال: أنا هنا يا رب، قال: ألا تخرج؟ قال: أستحي منك يا رب، قال: ملعونة الأرض التي خُلقت منها، لعنة يتحول عمرها شوكًا، ثم قال: يا حواء، أنتِ التي غررت عبدي، فإنك لا تحملين حملًا إلا حملتيه كرهًا؛ فإذا أردت أن تضعي ما في بطنك، أشرفتِ على الموت مرارًا، وقال للحية: أنتِ التي دخل الملعون في جوفك حتى غر عبدي، ملعونة أنتِ لعنة تتحول قوائمك في بطنك، ولا يكون لكِ رزق إلا التراب، أنتِ عدوة بني آدم، وهم أعداؤك!

لا تتفاجأ بإدراكك أن كل تفاصيل تلك القصة هي من الإسرائيليات الكاذبة، دعنا نفكر قليلًا في هذه الرواية الكاذبة، أولًا: كيف أن الملائكة تأكل؟ هو سؤال لم يؤتَ له بجواب يعتد به. ووسوسة إبليس لآدم -عليه السلام- ليست مرتبطة بدخول إبليس في بطن الحية؛ إذ أن الوسوسة لا تحتاج إلى قرب ولا مشافهة، وقد يوسوس إليه وهو على بعد أميال منه، والأكيد أن الحية خلقها الله يوم خلقها على هيئتها تلك، ولم تكن لها قوائم كالبخيت، ولا شيء من هذا القبيل!غ

قصة عوج بن عنق:

الرجل الذي قيل أنه كان يبلغ طوله ثلاثة آلاف ذراع، وكان يمسك بالحوت ويشويه في عين الشمس، وطوفان سيدنا نوح لم يصل إلى ركبتيه وامتنع عن ركوب السفينة، وأن الذي قتله هو سيدنا موسى؛ لأن طول سيدنا موسى كان يبلغ عشرة أذرع، وكذلك عصاه عشرة أذرع؛ فأصاب عوج بن عنق فقتله.

دعنا نفكر قليلًا في الأمر، كيف يتفق هذا الباطل مع قول الله تبارك وتعالى:

{وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْـمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْـمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْـمُغْرَقِينَ (43)}

أوضح القرآن الكريم أن الذين نجوا من الغرق هم الذين آمنوا مع سيدنا نوح وركبوا معه السفينة؛ فكيف لذلك الأمر أن يحدث؟ لا يوجد جواب! ورغم ذلك، فقد وضعت تلك القصص هالة مسيطرة على عقول كثير من المسلمين، والبعض منهم يوقن بأنها حقيقة، وإن تأثيرها قد خاض شوطًا طويلًا في الإسلام!

كيف أثرت تلك المرويات على أئمة المسلمين؟:

هذه الإسرائيليات -مع الأسف الشديد- اُتخذت كمدخل للطعن في أئمة الإسلام وعلمائه ممن كان لهم في الإسلام قدم راسخة، حتى كادت تذهب بالثقة في بعض الصحابة والتابعين الذي عُرفوا بالثقة والتدين، واشتهروا بين المسلمين بالتفسير والحديث، وذلك بسبب ما أُسند إليهم من هذه الإسرائيليات في تفسيرهم للقرآن والحديث، حيث اُتهموا بأبشع الاتهامات من قِبل بعض المستشرقين ومن مشى في ركابهم، مضللين مدسوسين على الإسلام وأهله. وقد كان لتلك المعضلة وقفة حازمة من المسلمين، حيث وضعوا أساس الطريق الذي ينبغي التعامل به مع تلك الروايات والنهج الصحيح لها.

أقسام المرويات الإسرائيلية:

عندما بدأت الإسرائيليات وقصصها الكاذبة تندس وتنتقل إلى تفسير القرآن الكريم، تصدى لها علماء المسلمين، وبدأوا في فرز وتنقيح كل هذه المرويات. وأقدم من قدم لها تقسيمًا هو ابن تيمية، الذي سار على نهجه من بعده كافة العلماء الذين وضعوها في ثلاثة أقسام:

  1. ما يُعلم صحته بالنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو صحيح مقبول، وكذلك إذا كان له في الشرع ما يؤيده.
  2. ما يُعلم كذبه، فلا يصح قبوله ولا روايته.
  3. مسكوت عنه، لا هو بالأول ولا الثاني، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته، لحديث: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا)، رواه البخاري، وهذا القسم غالبه لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني.
ملك أحمد (لم تعد كاتبة في كون)
ملك أحمد (لم تعد كاتبة في كون)
كاتبة سابقة في كون، ولم تعد جزءًا من كون في 6/12/2024
تعليقات