أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر المقالات

صور من تاريخ مصر القديمة وألغازها.

الحضارة المصرية القديمة هي تاج الحضارات وأمّ المفاخر، شيدت مجدًا تليدًا وخلّفت إرثًا خالدًا على مرّ العصور، فكانت منارة العلم ومنبع الحكمة ومهوى الأفئدة، وامتدت جذورها في عمق الزمن امتدادًا شهد له التاريخ، نافذةً على أسرار الكون، حاويةً كنوزًا من فِكرهِ.
صور من تاريخ مصر القديمة: وما هو حل اللغز؟
وما أصدق أن يضلّ بعض العلماء والأثريين السبيل حين زعموا أن هذه الحضارة بلا جذور! وأن المصريين الأقدمين حلّوا بأرض مُهيَّأة لهم مكتملة المعالم، بيد أن الحقّ يصدح بما يخالف ذلك: فهي حضارة نشأت بعزيمة شعب وأمة كاملة، فاحتضنت أرضها اللبنات الأولى للمدنية، ورفعت صروحها على دعائم التطورِ.
فما المانع إن غُصنا في بحار المجد المصري، وطفنا في أرجاء حضارة صنعت للتاريخ معنى، وللأجيال القادمة دربًا.

نشأة الحضارة المصرية القديمة: دور نهر النيل والحدود الطبيعية:

نشأت الحضارة المصرية القديمة منذ 3100 سنة قبل الميلاد وفقًا للتسلسل الزمني المصري التقليدي في الشمال الشرقي لإفريقيا، وتركزت على ضفاف نهر النيل، ويعود هذا لحدوث فيضان نهر النيل في منتصف شهر أغسطس، فحدث انغمار للأراضي الخصبة بالمياه العذبة، مما أدى إلى إنتاج محاصيل زراعية هائلة، بالإضافة لتميز الظروف المناخية الذي ساعد في تطور المحاصيل الزراعية وتنوعها، حيث تمتعت الضفاف بتربة خصبة ومياه وفيرة ساعدت على استقرار الإنسان.

ولكن لم يكن نهر النيل الميزة الوحيدة لكي تكون مصر أفضل مكان بالعالم للاستقرار في ذلك الوقت؛ فقد كان للحدود الطبيعية أهمية كبرى أيضًا، ومنها: الشلالات الجنوبية، التي كانت تمثل مشكلة كبيرة للغزاة، وبهذه الأسباب كانت أرض مصر من أفضل المناطق بالعالم لاستقرار البشر وتكوين أسس حياة المصريين القدماء.

كيف اختلفت حياة المصري القديم عن كل الأزمان؟

عاش المصري القديم معتمدًا اعتمادًا كليًا على الطبيعة؛ فكان يأكل مما يجمعه من ثمار وعشب، وكان يصطاد الحيوانات لأكلها واستخدام جلودها كملبس له، وكان يعيش في الكهوف؛ لأن حياته كانت مليئة بالتنقل، وكان هذا العصر يُعرف بالعصر البدائي، ولكن بسبب ارتفاع درجات الحرارة قرر المصري القديم الاستقرار في وادي النيل وبناء بيوت من الطوب اللبن (الطين المحروق)، ثم عرف الزراعة، وكانت المحاصيل الرئيسية له هي: الحبوب، والقمح، والشعير، بالإضافة إلى: الكتان، والبردي؛ فقد كان جذر البردي صالحًا للأكل، وبهذا نؤكد أن المصريين من أوائل الشعوب التي مارست الزراعة على نطاق واسع.

سار المصري القديم على هذا النهج وبدأ في استخدام أدوات بسيطة، مثل: العظام؛ لصناعة السكاكين، والعديد من الأدوات المستخدمة في حياته على الدوام، وبدأ بتطوير نفسه حتى اكتشف استخدام الحجر، وكان هذا بفضل توفره في بيئتهم الطبيعية؛ لأن الحجر كان مادة شائعة في العديد من المناطق المحيطة به، مثل: ضفاف نهر النيل، وكان للأحجار أنواع عديدة، مثل: الجرانيت، والديوريت، والحجر الجيري، فكان لكل واحد منهم العديد من الخصائص والاستخدامات، وقد علموا كيف يمكن استخدام كل واحد عن طريق التجربة والخطأ، ويعد الحجر الجيري أساس البناء؛ حيث كان يستخدم بشكل شائع في بناء الأهرامات والمعابد، وكان الجرانيت يستخدم في صناعة التماثيل والأعمال الفنية الفاخرة، وتطور استخدام الحجر حتى أصبح جزءًا أساسيًا من العمارة والفنون في مصر القديمة، ثم عرف المصري القديم النحاس والمعادن عن طريق تجاربه في الطبيعة، ولاحظ أن بعض الصخور يمكن أن تُصهر وتُحول إلى معادن صلبة، مثل: النحاس، والفضة، والذهب، فكانوا يستخدموا طرقًا بدائية جدًا في الصهر، عن طريق حرق  الفحم في أفران خاصة لزيادة درجة الحرارة؛ لتكون مناسبة لانصهار المعادن. 

وبمرور الوقت طوروا تقنيات لفصل المعادن عن الخامات، وساعدهم استخدام النحاس والذهب والفضة في صنع الأدوات والمجوهرات وأيضًا البناء، وقيل أنهم اكتشفوا المعادن بسبب عثورهم على صخور تحتوي على معدنيات نادرة، وقاموا بصهرها لإنتاج مواد يمكن تشكيلها واستخدامها، ثم بدأ التبادل التجاري بين المصري القديم والبلاد القريبة منه.

توحيد المملكتين: البداية الرسمية للحضارة المصرية القديمة:

واستمر بناء المصريين القدماء للمدن البدائية حتى بلغوا تقريبًا 40 مدينة، وكان لكل مدينة حاكم خاص يرعى المدينة ويحافظ عليها، فكانت كل مدينة متميزة بترتيب منظم، ومع الوقت بدأوا بالتطور وأصبح بينهم علاقات تجارية، وفي عام 3600 قبل الميلاد اتحدت المدن وكونت مملكتين، مملكة مصر العليا بالجنوب، ومملكة مصر السفلى بالشمال. 

كان بين المملكتين صراع وتنافس مستمر، وبعد 500 سنة جاء شخص يدعى مينا (نارمر) وقام بتوحيد المملكتين، ويقال إن هذا التوحيد تم من خلال العديد من الحملات العسكرية والمفاوضات، وأصبح مينا أول فرعون بتاريخ مصر، ويمكننا اعتبار توحيد المملكتين البداية الرسمية للحضارة المصرية القديمة.

صعوبة تقسيم المؤرخين للحضارة:

كما يبدو أن الفترة التي اُحتُلت فيها الحضارة المصرية القديمة عروس العالم امتازت بطولها وامتدادها؛ لذلك فقد مثلت عائقًا بالنسبة للمؤرخين في تقسيمها، والأمر في ذلك استغرق جهودًا وتعديلات كثيرة للوصول إلى وجهة التقسيم الحالية، لذلك تم تقسيم الحضارة إلى ثلاثة عصور -أو دول- وفترتين، وفي مقدمة تلكما الفترتين وما بينهما نجد تربُّع أقدم عصر للحضارة.

 البداية الرسمية للحضارة المصرية القديمة

عن الدولة المصرية القديمة: 

هي فترة الازدهار الأولى؛ فكانت بها الحضارة مستقرة ومزدهرة وبنيت بها العديد من الإنجازات المعمارية، وأهمها الأهرامات الرئيسية الثلاثة، وبداية الحديث عنها يكون بسؤال: ما هي حقيقة تلك الأهرامات؟ وكيف كانت بدايتها؟

اعتقادات المصريين القدماء في الحياة الأبدية:

كان للمصريين القدماء اعتقاد مختلف عن الموت؛ فكانوا يعتقدون أنه بعد موتهم سينتقلون إلى حياتهم الأبدية وأن حياتهم لا تنتهي بالموت؛ فهم سيحاسبون على أعمالهم عن طريق وزن قلب الميت مقابل ريشة إله العدالة والنظام (ماعت)، فإذا كان القلب أخف من الريشة يدخل الجنة، وإذا كان أثقل يُرمى قلبه للوحش (أمون - ميت) الذي يأكله؛ لذلك كان لديهم مخططات عديدة للموتى لكي يكونوا مستعدين لحياة ما بعد الموت، لذلك كان يجب عليهم القيام بعدة أعمال يترأسها خطوة (التطهير)، والتي اعتبروها عملية مقدسة وحتمية للقيام بها قبل الدفن، ومن مراسمهم وأشهر معتقداتهم:

1. إعدادات اللقاء بالموت:

كان التطهير هو الخطوة الأولى لتحضير المتوفى عن طريق غسل الجسد بماء النيل؛ لاعتقادهم أن ماء النيل ذو خصائص تطهيرية، وللقضاء على جميع أوساخه.

2. التحنيط عند المصريين القدماء:

هو إزالة جميع الأعضاء الداخلية بحرص شديد، خاصة الرئتين والكبد والطحال والأمعاء، وكانت تنظف جيدًا وتوضع في أوانٍ تعرف بالأوانِ الكانوبية، وكانت هذه الأواني توضع داخل التابوت، وتحتوي على أربعة أوعية كل منها مخصص لحفظ أعضاء معينة، وكانت تصنع من مواد معينة كالفخار والخشب والحجر، وتُزين برؤوس آلهة لحماية ما بداخلها، ومن ثَم إجراء العديد من الطقوس الدينية؛ لضمان مرور الروح بسلام.

3. الجفاف والتجفيف:

كانت الجثة تجفف باستخدام الملح والزيت للقضاء على رطوبتها حتى لا تتعفن، ومنع نمو البكتيريا، فكان الهدف هو الحفاظ على الجسد لأطول فترة، ومن ثم تغطى الجثة بالكتان ويوضع مواد عطرية، ومن حولها التماثيل والتمائم للتأكد من الحفاظ على الروح حتى تنتقل للحياة الأخرى.
ومن هنا نؤكد على مدى اجتهاد المصريين القدماء وحرصهم الشديد على الحفاظ على الروح حتى تُنقل للحياة الأبدية بسلام تام، مع تنفيذيهم لما يسميه العامة (غرائب المصريين القدماء) من تغيير شكل الجثة ولونها عن طريق استخدام أقنعة لا تتطابق مع شكل الجثة لحمايتها، وحقنها بالمواد الحافظة، واهتمامهم بفتح فم الجثة لكي تتمكن من التحدث في الحياة الأبدية وتناول الطعام والشراب، وبذلك ندلل على اهتمام المصريين القدماء بالتحنيط سواءً للإنسان أو للحيوان.. وبحرص شديد.

أحد أشهر الألغاز في تاريح مصر القديمة:

بذلك فقد فكر الملك خوفو في بناء الهرم الأكبر الذي جعله من أشهر الفراعنة، ويعتبر الهرم الأكبر أحد عجائب الدنيا السبع بسبب كبر حجمه وارتفاعه، فكان من المعروف عن الملك خوفو هو تركيزه الشديد على المشاريع المعمارية حتى استغرق بناء الهرم من 10 إلى 20 عام، وبروز الدقة الهندسية الفائقة مع صغر فترة بنائه يؤكد على المهارة الفائقة التي تمتعت بها الحضارة المصرية القديمة.
وكذلك هرمَي خفرع ومنقرع، فقد تم بناؤهما ليكونا مقبرتين لهما، ولضمان خلودهما في الحياة الأبدية.

ولكن بسبب اختلاف الفترات الزمنية التي بنيت فيها الأهرامات وكذلك الموارد والأهم منه هو تدهور الأحوال المالية في عهد خفرع ومنقرع؛ فقد كان هرم خوفو هو الأفضل من كل الجوانب، بينما يعتبر هرمَي خفرع ومنقرع محاولات لدفن الملكين في هرمين مشابهين لهرم خوفو، فقد تم استخدام موارد أقل من الموارد التي كانت متوفرة في زمن خوفو بالإضافة إلى أن موضع مصر بدأ بالانحدار بعد الملك خوفو، واستمر ذلك الانحدار والتدهور حتى انتهت الدولة المصرية القديمة بعد موت الملك (بيبي الثاني)، الذي حكم لفترة طويلة مقدرة ب94 عامًا، ويعتبر من أطول الحكام في تاريخ مصر، وكان له إرث عظيم في الإنجازات المعمارية، وتأثير كبير على الإدارة والسياسة.

ماذا بعد الازدهار؟ 

الفترة الانتقالية الأولى: في هذه الفترة عاصرت مصر حالة من التدهور السياسي، بالإضافة إلى ضعف السلطة المركزية وانتشار ظاهرة الإقطاع وتدهور العمران، واستمر هذا الوضع 156 سنة حتى نجح الملك مينتوحتب، أبرز ملوك مصر القديمة، في تغيير كل هذه الفوضى ووحد مصر مرة أخرى، وقام ببناء العديد من المقابر والمعابد، مثل: معبد الدير البحري في البر الغربي للأقصر، وقام بإصلاحات دينية واقتصادية، وأعاد السلطة المركزية للقاهرة؛ مما وضع أساس قيام الدولة الوسطى.

ثانيًا: الدولة المصرية الوسطى:

هي فترة الازدهار الثانية، حيث شهدت مصر الوسطى تطورًا في مختلف المجالات، وعُرفت بالاستقرار، واستمرت 405 سنة، وتميزت بالحكام المميزين الذين قضوا على أمراء الإقطاع، وهم: الملك منتوحتب الثالث، والملك أمنمحات الأول، والملك سنوسرت الأول، وسنوسرت الثالث. واشتهرت فترة حكم كل منهم بالاستقرار والازدهار والتقدم في العمارة والإدارة ومختلف المجالات حتى ظهر الهكسوس، وهم شعب متنوع الأصول، أتوا من غرب آسيا واستقروا في دلتا النيل، دمروا الدولة الوسطى -ولكن ليس بشكل كامل- فانتقلت مصر من فترة الازدهار الذهبية إلى ثاني فترة دمار للحضارة المصرية، وهي الفترة الانتقالية الثانية، وحكم الهكسوس مصر نحو 100 سنة، حدث بها تغييرات في النظام الإداري والملكي والعديد من الصراعات العسكرية لطرد الهكسوس، وتأثر الاقتصاد المحلي للدولة، واستمر هذا الحال حتى أتى فرعون من أعظم الفراعنة عبر التاريخ المصري القديم، وهو: أحمس الأول، الذي نجح في طرد الهكسوس من مصر واستعادة السيطرة على الأرض التي استولوا عليها، فوحد البلاد وأقام العديد من التحسينات العسكرية؛ فكان ممهدًا لعصر الدولة الحديثة في مصر.

ثالثًا: الدولة المصرية الحديثة:

من أعظم العصور في تاريخ مصر القديمة؛ لتميزها بالازدهار في العديد من المجالات، بالإضافة لتغير فكر المصريين القدماء.. وتفكيرهم العميق بكيف سيكونون أقوياء؛ لذلك صبوا اهتمامًا شديدًا على القوة العسكرية والسياسية، وقاموا بتنظيم وتدريب الجيوش واحتلال المدن، وأقاموا العديد من التحالفات لتعزيز الأمن، وزاد توسعها في عهد الفرعون تحتمس الأول الذي أزاد من قوة مصر العسكرية وقام بتوسيع حدود مصر، بالإضافة لإنجازاته في بلاد الشام والنوبة، وبعدما مات تحتمس الأول استند حكم العرش إلى ابنة زوجته الأولى حتشبسوت، ولكن لأن حتشبسوت امرأة فقد تولى تحتمس الثاني ابن تحتمس الأول الحكم وأصبح ملك مصر، ولكن السؤال الأهم، هو ماذا كان مصير حتشبسوت؟

أول حاكمة للحضارة - حتشبسوت:

روت بعض المواقع أن حتشبسوت سُجنت، ولكنها في الواقع تزوجت تحتمس الثاني.. بالرغم من التطور الملحوظ على المصريين القدماء إلا أن زواج الإخوة كان أمرًا شائعًا في مصر القديمة، وذلك للعديد من الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فمثال على ذلك أن الممتلكات الزراعية كانت أغلبيتها تورث للبنت، بالإضافة إلى أنهم كانوا يريدون الحفاظ على نقاء النسب الملكي، وكان هذا الزواج يساعد على استمرار وتقوية الحكم.

واستمر حكم تحتمس الثاني حتى مات، بعدما استمر حكمه 13 سنة، وبعد موته تولت حتشبسوت الحكم واعتبرت فترة حكمها من أبرز الفترات في التاريخ المصري القديم؛ حيث أنها عملت على الاستقرار الداخلي للبلاد وقامت بتوطيد العلاقة مع كبار رجال الدولة، واهتمت بالبناء؛ فأنشأت معبد الدير البحري في الأقصر، والذي يعد من أبرز المعابد المصرية، واهتمت بالتجارة، ونظمت بعثات تجارية إلى بلاد بونت فساعد هذا على تقوية التجارة والاقتصاد المصري، وحدثت فترة ازدهار ثقافي في زمنها، ولكن كانت وصية تحتمس الثاني انتقال الحكم لابنه تحتمس الثالث، ولصغر سنه تقلدت حتشبسوت الحكم، وعندما كبر جعلته حتشبسوت شريكًا في الملك، وكانت لها السلطة الأكبر، وظلت تؤمّن البلاد وتعزز قوتها العسكرية، واستطاعت إدارة الأمور السياسية بدقة؛ فاكتسبت احترام النبلاء وغيرهم حتى ماتت.

من جذر القوة يقوم الجذع:

بعد موت حتشبسوت حدثت تغييرات متعددة في النظام وخلفها تحتمس الثالث في الحكم، ولكن بسبب أنه كان شريكًا لحتشبسوت بالحكم ظن ملوك المدن في بلاد الشام أن تحتمس ضعيف، وأن القضاء عليه أمر سهل! فجاءتهم فكرة القضاء عليه لينالوا استقلالهم بسبب اعتقادهم الخاطئ أن تحتمس الثالث وورثته ليسوا بقوة وقدرة الفراعنة السابقين؛ لذلك قام  تحتمس بحملات عسكرية جبارة بجيش كبير ومدرب بأعلى مستوى، وكانت أشهر معاركهم هي معركة مجدو التي نجح بها تحتمس في تلقينهم درسًا مهمًا، وأظهر مدى قوة وجدارة جيشه.

وبعد العديد من الحملات نجح تحتمس في إعادة بناء النظام الملكي، وكسب العديد من الأعداء في صفه، بل وعملوا معه بجد، فنجح في إثبات مدى قوته وبراعته للعالم كله.

كيف رُسخت العلاقة بين رجال الدين وحكم مصر القديمة؟

رجال الدين هم شخصيات ذات نفوذ وسلطة كبيرة، وبسبب تمسك المصريين بالدولة وعبادتهم للفرعون والآلهة المتعددة، أصبح عدد قليل منهم يهتم بمعارضة الحكومة حتى لو أضروهم بشيء، واحترامهم الشديد لعباداتهم جعل سيطرة رجال الدين على المجتمع والحكومة أمرًا سهلًا، ومع كثرة عددهم ازداد الدمار بالدولة، وامتدت نفوذهم حتى أصبحوا يتدخلون في الحكم وشؤون البلاد، بالإضافة لنهبهم الشديد واحتيالهم على المصريين عن طريق أخذ أموال منهم مقابل تعليمهم الأمور الدينية التي يجهلونها؛ لذلك أتى فرعون يدعى أمنحتب الرابع (أخناتون) وحارب رجال الدين، وقام بإلغاء وغلق جميع العبادات، وأسس عبادة إله واحد وهو (الإله آتون)، بل وأسس معبدًا له؛ فأدى هذا إلى حدوث فجعة كبيرة! وثار الجميع على أخناتون، وبرغم جهوده لتوحيد الديانة إلا أنه أثر على العلاقات مع الدول الأخرى، مما أدى إلى رفض الولايات دفع الجذية لمصر وخلع حكامها، بالإضافة إلى إعلان استقلالها عن مصر، وبهذه الطريقة المأساوية انتهت إمبراطورية الحضارة المصرية القديمة، وأصبحت دولة صغيرة ذات جيش ضعيف وديانة آتونية فاشلة.

استمر هذا الوضع حتى تولى ابن إخناتون (توت عنخ آتون) الذي كان في الثامنة من عمره، وأعاد العبادة التقليدية وفتح المعابد، وغير اسمه من توت عنخ آتون إلى توت عنخ آمون؛ لأن العبادة التقليدية هي عبادة الإله آمون.

ولكن أعمال آمون أحدثت فجعة أخرى، وهي أن رجال الدين أصبحوا أقوى مما كانوا عليه في عهد أبيه وفرضوا سيطرتهم على الدولة مرة أخرى، واستمرت الفوضى والتدهور حتى أتى أحد أعظم فراعنة مصر القديمة (رمسيس الثاني) الذي أعاد كل المناطق التي كانت في حكم مصر، وأعاد ترميم الحضارة، واسترد الاستقرار السياسي من جديد، ولكن ظلت عقبتنا المعتادة.. ألا وهي رجال الدين الذين أثروا على المجتمع المصري ونهبوه حتى سيطروا على الحضارة بأكملها! بل وأصبح الفرعون هو كبير كهنة الإله آمون، واستمر هذا الوضع حتى عادت مصر دولة صغيرة وضعيفة ومحتلة من قبل العديد، ألا وهم: اللوبيين، والأحباش، والآشوريين، والقمبيز، والاسكندر الأكبر، -وفي النهاية- الرومان الذين كانوا آخر من أتم تدمير الحضارة.

رمز الخلود:

على الرغم من اختفاء الحضارة إلا أن إرثها مازال موجودًا، آثار وتحف ومعابد المصريين القدماء لا زالت تبرز مدى براعتهم وعظمة حضارتنا المصرية، وحتى الآن هي مصدر إلهام وإعجاب للفنانين، وما لا يصدقه العقل هو كيف تمكن المصريون القدماء من المحافظة على حضارتهم 3000 سنة، بل وأنتجوا كل ما هو جميل.

إلى أين يتجه التاريخ؟

حضارتنا، بكل ما تحمله من علم وثقافة، هي منبع كل تطور في العالم حولنا، وفي الوقت الذي تُعَرف فيه الدول الأخرى بالمتقدمة، لا بد لنا من التساؤل: من أين استمدت تلك الأمم تطورها في مجالات الطب والهندسة والعلوم والفلك؟
الجواب واضح؛ كل هذا كان ثمرة لأسس حضارتنا العريقة التي أسهمت بشكل مباشر في بناء ما نعرفه اليوم. لم تكن الكتابة الهيروغليفية مجرد وسيلة للتعبير عن الكلمات فحسب، بل كانت لغة تُحاكي الأصوات وتحفظ ثقافتنا وفكرنا، وقد نقشت على المعابد والتماثيل والتحف وعلى أوراق البردي، لتكون الشاهد على تاريخنا الممتد، فمن خلال هذه الكتابة، تم توثيق التاريخ المصري العظيم الذي بات مرجعية للعالم أجمع.. وعلى الرغم من محاولات البعض لتدنيس هذا الإرث العظيم ونسبته إلى أنفسهم، فإن الحقيقة ستظل واضحة.
قد يطرأ على ذهن البعض تساؤل عن مدى صحة ما وثقته كتب التاريخ، وهل حان الوقت لتصحيح بعض الروايات؟ أم أن الأمر برمته ما هو إلا عملية احتيال؟ هذا السؤال سيظل حيًا في أذهاننا، والإجابة عليه لن تأتي إلا في الوقت المناسب، وانتهى.

    المصادرُ والمراجعُ البحثيّةُ:

    فريق كون - Con Team
    ريم نديم
    ريم نديم
    ريم نديم، كاتبة مصرية، وكاتبة لدى موقع كون.
    تعليقات