أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر المقالات

الحقيقة المرعبة خلف الأساطير الأدبية، هل هي موجودة حقًا؟

كائنات الرعب: الحقيقة المرعبة خلف الأساطير!

يُقال: "لا دخان بلا نار"، وهي كلمة حقّ يشهد لها التاريخ صدقًا وبرهانًا، فإنّ الأساطير التي تعجُّ بها أروقة أدب الرعب المعاصر – كالمستذئب الذي يتشح بضوء القمر، ومصاص الدماء الذي يستقي حياته من أعناق الأحياء، والمهرج الذي يقبع في ظلال الهلع، وغيرهم من رهط الخيال المرعب – ما كانت لتنشأ من العدم أو تُخلق من فراغ، بل لا بُدّ أن وراءها جذورًا ممتدة في تربة الواقع، ولو كانت شذرات مبهمة أو أحداثًا غامضة قد دفنتها القرون.
ولعلَّ مؤلفًا مجهولًا التقط طرف خيطٍ من تلك الحقيقة البائدة، فنفخ فيه من روحه إبداعًا، ونسج منه شخصيات خالدة، ثم رحل قبل أن يدرك أنّه قد ألقى في بحر الأدب حجرًا، ستتسع دائرته حتى يصير من معالم الرعب وأيقوناته الخالدة.

الحقيقة المرعبة خلف الأساطير الأدبية، هل هي موجودة حقًا؟

 1. هل هو إنسان أم ذئب فتاك؟

هو الأشهر بين كل من سأتناول قصصهم في هذا المقال، وقد يناطح صديقنا (مصاص الدماء) في الشهرة، فإن عدد الأفلام التي صوِّرَت عن المستذئب كثيرة بحق، ويفوقها عددًا الروايات والقصص التي تُكتب بلا توقّف إلى يومنا هذا، سواءً في الأدب العربي المعاصر أو في غيره، وفي الإنجليزية يُسمّى: werewolf.
صورة تخيليَّة للمستذئِب.

لماذا werewolf بالتحديد؟

إذا قمنا بمطالعة لكتاب (A Restitution of Decayed Intelligence: In Antiquities)، يخبرنا الكاتب بسرٍّ صغير، وهو أن كلمة (Man) الإنجليزية -والتي تعني (رجل) بالعربية- لم تكُن شائعة قديمًا، وعوضًا عنها كان يستخدم القدامى كلمة (Were) لتعطي ذات المعنى، فنجد أن كلمة Werewolf تعني بالعربية (الرجل الذئب).
تخيلّ لو أنك تسير في شوارع مظلمة لا يضيؤوها سوى القمر الذي غدا بدرًا، ليبرز أمامك مخلوقٌ كثيف الشعر في أغلب أنحاء جسده، وفي المناطق التي لا ترى فيها شعرًا، ترى جلدًا شاحبًا شحوب الموتى، طويل الأظافر والأنياب وعيناه الحمراوين ترمقانك في تحدٍ!
أبشرك، إن لم تكن في إحدى روايات الرعب لكاتب واسع الخيال، ففي الغالب ما يقف أمامك ليس إلا رجل بائس مصاب بمرض الذئب، أو كما يحلو للأطباء تسميته: مرض الـ(بورفيريا)، وهو مرض شديد الندرة، وأعراضه هي التي سبق وذكرتها بالإضافة إلى اشتهاء اللحم النيء والحساسية المفرطة لدى التعرض لأشعة الشمس.
وقد جاء ذِكر بعض هذه الأعراض في الجزء الأول من كتاب (كامل الصناعة الطبيّة) لعلي بن العباس المجوسي، وسُمّي المرض وقتها (قُطرب)، وهو الذي يعادل مرض الـ(بورفيريا) الذي ذكرته لك يا عزيري القارئ في السطور السابقة.

إذًا وقد عرفنا مصدر الصفات الجسدية التي اتخذها رواة الأساطير عن الرجل الذئب، فمن أين جاءت فكرة جعل هذا المخلوق يظهر ليصدّع رؤوسنا في الليالي المقمرة بعوائه؟ تتلخّص إجابة هذا السؤال في جملة مكوّنة من كلمتين لا ثالث لهما: الليكانثروبي السريري (Clinical Lycanthropy)، يُخطئ البعض فيخلط بين اللكناوي السريري والبورفيريا، فالأول هو اضطراب نفسيّ يوهم المصاب به بأنه قد تحوّل إلى ذئب، فيترتّب على ذلك أن يقوم بنفس تصرّفات الذئب من عواء واشتهاء للّحم النيء، أما البورفيريا فقد ذكرتها سابقًا، وهي التي تعطي الصفات الجسدية للذئب، ولا بد أن القارئ قد لاحَظ.
لدينا مرض نفسي/ جسدي يبرز الصفات الجسدية للذئاب، ولدينا اضطراب آخر نفسي يوهِم المرء أنه قد تحوّل إلى ذئب، وأخشى أن أقول إنه إذا اجتمع المرضيْن في أحدهم -وهذا شبه مستحيل لأن كلاهما نادر- فسيكون لدينا مستذئب حقيقي! 

عند اطّلاعنا على الميثولوجيا الإغريقية، سنجد تكرارًا لقصة ملِك يُدعى (لايكاون)، وهذه القصة باختصار تقول إن الإله الإغريقي المزعوم (زيوس) -والذي ربما تجده في ثلثيْ الأساطير الإغريقية- قد عاقَب لايكاون بأنْ حوّله إلى ذئب، ماذا فعل لايكاون المسكين لينال هذه العقوبة؟ لقد تجرأ هذا الوغد وقدّم للآلهة لحمًا بشريًا! وأكل لحوم البشر جريمة شنيعة، لذا يمكننا التخمين دون خطأ كبير أن لسان حال (زيوس) كان يقول: تأكل لحوم البشر أليس كذلك؟ إذًا فأنت ذئب ولست بشريًا. ولا تنسَ قصة ذات الرداء الأحمر، فإن الذئب في هذه القصة كان في قامة الإنسان، وهو بالطبع ما يمكن وصفه على أنه (مستذئب).

لكن ما يثير الحيرة، هو سؤال: هل اكتشف العالَم تلك الأمراض التي ذكرتها لك قبل أم بعد ابتكار أسطورة لايكاون؟ فلو كان اكتشافها قبلها، إذًا فحكاية الرجل الذئب قد بُنيَت على أساس تلك الأمراض، وإن كان بعدها، فيكون منبع الأسطورة هي تلك القصة الإغريقية، والأمراض التي ذكرتها ما هي إلا الشرارة التي أشعلت كومة القش ومعها عقول الأدباء.

فلا بُد أن مبتكري حكاية لايكاون قد عرفوا رجالًا يشبهون الذئاب إلى حد كبير نتيجة إصابتهم بالمرض، وكانت فكرة تحويل رجل إلى ذئب سهلة إن رأى أحدهم منظر مستذئب من قبل، حتى أنني أثناء بحثي وجدتُ حكايات لا تنتهي يُدّعى أنها بداية أسطورة الرجل الذئب، لكن ستظل الحقيقة دائمًا مخفية، حتى ينقشع الدخان لنرى النار.

2. مصاص الدماء: هل هو كائنٌ بشري أم مخلوقٌ شيطاني؟

تشوباكابرا، هو مخلوق لطيف المعشر ارتفاعه يصل إلى خمسة أقدام، أرجله قصيرة لكن قوية تمنحه القدرة على القفز إلى مسافات بعيدة، مخالبه طويلة وعيناه باللون الأحمر المتوهج، يقول البعض أن له أشواكًا كما القنفذ تمتد على طول ظهره، بينما يزعم البعض أنه رأى أجنحة صغيرة له تشبه إلى حد كبير أجنحة الوطاويط، كما أنه حال حضوره يمكنك أن تشم رائحة الكبريت وقد ملأت المكان.
صورة تخيلية لمصاص الدماء.
هذا هو وصف لمخلوق أسطوري في تراث الأمريكتين، وذكرته في فقرة تتحدث عن مصاصي الدماء، هذا لأن اسمه لو ذهبت لكي تترجمه من الإسبانية فستجد أن معناه (مصاص الماعز).
لوقت كبير، كان الأمريكيون يلومون هذا المسكين الغير موجود من الأساس على مص دماء الماعز والقطط والأغنام والخنازير وغيرهم من الحيوانات، وقد افتتحتُ هذا المقال بهذه المعلومة الخفيفة كيْ أوضّح نقطة واحدة فقط، وهي: مدى تأثير أسطورة مصاص الدماء على عقول الناس حتى بعد أكثر من قرنين من ابتكار الأسطورة!

تشوباكابرا غير موجود بالطبع، هو مثل بيغ فوت ووحش بحيرة لوخ نس، كلها كائنات يزعم بعض الناس أنهم رأوها، ولكن في الواقع لا يوجد دليل واحد يؤكد وجودهم، وبما أنه كائن غير موجود، فللخيال لعبة رائعة هنا، إن أول ما تبادر إلى ذهن العامة عند رؤية الحيوانات النافقة هو مخلوق مرعب يتجوّل في الغابات ليلًا ليتسلّى بدماء الحيوانات!

دعني الآن آخذك إلى زمنٍ بعيد، قبل أن يعرف العالم أسطورة مصاصي الدماء، في قصر (إليزابيث باثوري)، والتي تحمل لقبًا ليس على قدر كبير من اللطف، ألا وهو: كونتيسة الدم.. وكم هي جديرة به! تلك السيدة اللطيفة قد قتلت عددًا لا بأس به من الفتيات الشابات، عددًا يصل إلى 650 فتاة! إذ كانت ترى أن شرب دم العذارى سيحافظ على جمالها وشبابها، وفي الواقع كان القتل لا يخلو من التعذيب الشديد والقاسي للحصول على كميات كبيرة من الدماء.

ظلّت تمارس وحشيتها حتى اعترفت عليها إحدى الخادمات، وتوصلَت المحكمة -وقد أثّرت عائلتها الأرستقراطية على القرار- إلى أن تسجنها إلى أجل غير مسمى، لكنها توفّيت في السجن بعد خمس سنوات! استمرّت جرائم الكونتيسة لمدة تصل إلى 24 عامًا، وبعد القبض عليها كان الأمر جللًا بشكل لا يمكن تصوره في ظروف حياتنا الرتيبة الآن، وإن كان هناك العديد من المصادر لأسطورة مصاصي الدماء فأقواها وبلا شك هي قصة كونتيسة الدم.

كانت الرواية الأولى التي تناولت أمر مصاص الدماء هي رواية (The Vampire) للكاتب جون بوليدوري، الذي نشرها في عام 1819م، وهو طبيب شاب له العديد من المؤلفات، أشهرها وأكثرها تأثيرًا هي تلك الرواية.

وننتقل بالزمنِ إلى عام 1735م، حيث تفشى داء يرتبط بشكل كبير بالموضوع الذي أحدثك عنه: داء البلاجرا (Pellagra)، يسبب هذا الداء حساسية شديدة تجاه أشعة الشمس، وهي -كما تعلم- صفة مشتركة بين مصاصي الدماء والمستذئبين، فإذا تعرّض المريض للشمس، تصبح بشرته سميكة حمراء، مع زيادة في طبقات الكيراتين، وهو المسؤول عن تشكيل الأظافر والأنياب والشعر، كما يؤدي التعرض للشمس إلى انتفاخ جلد المريض، فتجد بقعًا من الجلد الشاحب وحوله مناطق بنيّة خشنة ومتقشرة، وإذا تكرر التعرض للشمس يصبح الجلد رقيقًا كورقة، وغير ذلك، نرى مرضى البلاجرا يتميزون بلسان متورّم شديد الحمرة، وبسبب هذا التورم تترك أسنانهم آثارًا على اللسان، فيعطي المشهد انطباعًا بأن أنيابهم بارزة، وتصبح شفاه المريض متورمة أيضًا وملتهبة، كما لها ذات الحمرة، مما يرغم الناس على ربط المرضى بالدم. 

إذا عدنا لرواية (دراكولا لبرام ستوكر)، سنجده يصف الكونت دراكولا بأنه شديد الشحوب لا يظهر إلا ليلًا، وله وجهٌ منتفخ، والعرَض الذي يظهر على شفتيْ المريض يوازي وصف (ستوكر) لدراكولا، فقد وصف شفتيه بأنهما (ذات احمرار لافت).
كما يؤدي نقص النياسين -وهذا من أعراض البلاجرا- إلى تدهور في الخلايا العصبية، فيصيب المريض الأرق والقلق الدائم والاكتئاب، وهذا يتشابه مع مصاص الدماء الفلكلوري.

ومع انتشار الهلع من مصاصي الدماء في المجتمع، كانت عادة نبش القبور للبحث عن أدلة على وجود مصاص دماء شائعة، وكانت النتيجة هي أن يجدوا جثة دُفِنت منذ مدة بعيدة نسبيًا، لكنها بحالة جيدة، وفي الأسطورة، فإن مصاص الدماء ينام في القبر لمدة طويلة جدًا دون أن يتحلل، حتى يقابل تعيس الحظ الذي ستكون دماؤه وجبة العشاء، ونتيجة ذلك أنه عندما يرى المواطنون أحدهم وقد دُفِن منذ فترة طويلة نسبيًا ولا يزال بحالة جيدة، فإنهم -لجهلهم بعملية تحلل الجثة- يظنون أن هذا مصاص دماء.

وتفسير عدم التحلل العلمي هو أن مدة التحلل غير ثابتة، بل تتباين من مكان إلى آخر ومن ظروف إلى أخرى، وليس نادرًا أن نجد جثة بحالة جيدًا نوعًا ما بعد مدة طويلة من الدفن، ذلك بالإضافة إلى أصوات التنفس التي يسمعها الجميع تأتي من القبور، كان يدفعهم الأمر إلى الاعتقاد بأن هذه أصوات مصاصي الدماء يتنفسون، لكن علميًا ما هي إلا أصوات الغازات الناتجة عن التحلل، والدليل الأكبر الذين يزعمونه على أن من في القبر مصاص دماء، هو وجود دماء غير متجلطة على وجه الجثة، وهنا يسألون أنفسهم: دم من كان يمتص هذا الوغد؟ لكن في الواقع، ما هذه إلا دماء الجثة ذاتها، إذ عادةً ما يتم إفراز السوائل التي ينتجها الجسم عبر الفتحات؛ لهذا نجد دماء طازجة في فم وعلى وجه الجثة.

هناك الكثير من الأمور التي توحي بأن الجثة ليست جثة بل هي مصاص دماء، وهذا يأخذني -شخصيًا- إلى الاعتقاد بأن عقول البشر قد فكرت في أسطورة مصاص الدماء بسبب عمليات التحلل للجثث؛ فهي تترك إيحاءً بطول الأظافر بسبب جفاف الجلد، وشحوبًا للوجه، ودماءً هي مجهولة المصدر بالنسبة لهم على وجه الجثة، بالإضافة إلى الأصوات التي لا تريح أحدًا على الإطلاق!

ومن الأمور الأخرى التي جعلت الناس تصدّق بوجود مصاصي دماء بالفعل، هو داء الكلب، وهو يسبب التهابًا حادًا في الدماغ وشعورًا بالعطش لا يمكن التخلص منه، بالإضافة إلى تورم الشفتين وخروج الدماء من الفم، كما أن المصاب به يشعر برغبة غريبة في العض، وهذا السبب الرئيسي لربط العامة مصاصي الدماء بداء الكلِب.

في النهاية، تختلف أسطورة مصاص الدماء بشكل ليس بالكبير عن أسطورة المستذئب، كلاهما يصيبان الناس بالذعر، لكن الفرق أن مصاص الدماء كان معروفًا منذ زمن سحيق، أما المستذئب فهو نتاج حكايات شعبية أتت بعد فترة من ملاحظة الناس للأمراض التي ذكرناها في السطور السابقة.

3- المهرجون: هل هم ضحكٌ بريء أم أقنعةٌ للشر؟

إن رأيت الفيلم التلفزيوني الشهير، فيلم IT، فأنت تفهم لِمَ وضعت هذا القِسم ضمن المقال، كيف تحوّل هذا اللطيف المبهج الذي لا يسعى إلا للمرح ويتسم بخفة الظل، إلى علامة من علامات الرعب، وشخص يلتهم الأطفال ويفزعهم؟
صورة تخيليَّة للمهرج الشرير.
(رهاب المهرجين) أو الـ(Coulrophobia) هو ظاهرة غير مفهومة تمامًا في الواقع، كي أعرض لك مدى غرابة الأمر، فإن أحدث دراسة تمت عن رهاب المهرجين شارك فيها 987 متطوع من 64 دولة مختلفة، أفادت بأنّ نسبة 53.5% من المشاركين يعانون من رهاب المهرجين! وهي نسبة ضخمة، هذا بالنسبة للبالغين، أما عن الأطفال، فإن المهرجين الطبيين، الذين يكونون في المستشفيات بهدف تسلية المرضى الصغار، يصيبون واحدًا من كل ستة أطفال بالقلق لدى رؤيتهم، وهي نسبة كبيرة.
إذا أردنا معرفة السبب وراء الخوف من المهرجين، فعلينا التحري خلف ثلاث نقاط:
  1. مظهرهم الجسدي.
  2. سلوكهم.
  3. التجارب السابقة للمصابين بالرهاب.
في عام 2012م طرح رجل لطيف يدعى (مور) نظرية، تفيد بأن الخوف من المهرجين يحدث بسبب الشعور بعدم الارتياح تجاه الأمور الغير طبيعية، أو الأشياء التي تشبه البشر لكنها ليست بشرًا تمامًا، وأشار في نظريته إلى الشعور الذي ينجم إذا لمس أحدهم يدًا اصطناعية باردة، فهي تشبه اليد البشرية لكنها لا تمتلك سماتها، مثل الدفء وبِنية العِظام، وهذا يدفعنا إلى الاعتقاد بأنّ كَون الشيء (قريب من الإنسان لكنه ليس إنسانًا) هو ما يسبب عدم الارتياح لدى البعض عند رؤية المهرجين، وتم تقديم هذه كشرح لمشاعر عدم الارتياح للأشياء الأخرى، مثل الدمى والأقنعة وغيرها.

أنا لم أقتنع تمامًا بهذا التفسير، هناك مئات الأشياء التي تشبه البشر لكنها ليست كذلك حولنا، بعضها نخشاها لكن أغلبها لا، فلماذا اضطهدنا المهرج المسكين بالذات؟ لذا تعمقتُ في البحث أكتر حتى توصلتُ لتفسير آخر، في الأدبيات النفسية الشعبية.. يقال إن الخوف من المهرجين يصيب البعض بسبب مساحيق التجميل التي توضع بكثرة على وجوههم، فلا تعرف نواياهم، وتظل في حالة من القلق تجاههم، عندما تراه فأنت لا تعرف إن كان يريد دعوتك على العشاء، أمْ أنك أنت العشاء! سواء اتبعت النظرية الأولى أو الثانية، فإنهما يشيران إلى حقيقة واحدة: المهرج شيء مريب.

في استطلاع أقيم في عام 2016 شارك فيه 1341 شخصًا في محاولة للبحث عن أكثر المهن ريبة، ومن بين 21 مهنة، تم اختيار المهرج كالمهنة الأكثر إثارة للريبة، وهذا يا رفيقي يعود في الغالب إلى مظهره: ابتسامة واسعة، مساحيق تجميلية مبالغ فيها، عيون جاحظة، بشرة شديدة البياض، وغيرها.

يرجع أصل المهرج إلى الحضارة الإغريقية القديمة، تارةً تراه كعبدٍ قصير القامة منتفخ البطن، يقف أعلى المنصة ويرمي الجمهور من حوله بالحلوى ويلقي النكات الساخرة، وتارةً يتم تصويره كرجل أصلع بأذنين تشبهان أذنيْ الحمار، وأنف معقوف.

لماذا أخبرك بكل هذا؟ لأنني أريد أن أوضح أن المهرجين فكرة قديمة للغاية، وقدمها سمح لواسعي الخيال أن يبتكروا قصصًا عنه، خصوصًا أنه كان يمثل الفئة الفقيرة قديمًا، إذًا نحن نرى أن المهرج دائمًا شخصية مضحكة ساخرة هدفها الترفيه، فما هي الشرارة التي أشعلت النار فجعلت عقول الأدباء تصوره دائمًا كشرير؟ الإجابة بسيطة: السيد (بانش).

هذه المرة سنعود بالزمن إلى عام 1662م تحديدًا في يوم 9 مايو، في عاصمة الضباب، لندن.
ثمة عرض ما، الجمهور يحتشد أمام المسرح ليشاهدوا عرض (بانش وجودي)، هو عرض كوميدي ظهر فيه لأول مرة المهرج بصورته الشريرة، نال المهرج (بانش) استحسانًا من المتفرجين؛ لأنه قد جمع بين القسوة والشر، والكوميديا، كان هذا ثوريًا في ذلك الوقت، إذ لم يظهر قبل ذلك المهرج إلا في صورته اللطيفة الساخرة، ولما جُمِعت القسوة بالكوميديا كان ذلك سببًا في انجذاب الشباب له، هذا المهرج القاتل الذي لا يكف عن ضرب زوجته كان محلّ اهتمام بحق.

يمكننا القول دون خطأ كبير، وهذا ما أقوله هو استنتاج شخصي: إن بانش كان هو المحفز لكتابة القصص المرعبة عن المهرجين، كان بانش كوميديًا قاسيًا، ماذا لو استبدلنا الكوميديا بالرعب وجعلنا المهرج قاسيًا مرعبًا ترتجف الأبدان لرؤيته؟ فعلها الروائي الكبير (ستيڤن كينج) في روايته (It).
ليس المهرج هو ألطف شيء يمكن أن تقابله في حياتك، في الواقع.. قد يكون آخر شيء تقابله في حياتك!

4. الزومبي: كائنات ميتة أم تهديدٌ حي؟

سنعود هذه المرة إلى اليونان القديمة، الحضارة الإغريقية العريقة...
بعد بحثي، اكتشفتُ بعض الأمور المرتبطة بالموت عند الإغريق، وكل هذا هراء فلن أملأ رأسك به، ما يهمك في الأمر هو أنهم كانوا يعتقدون بالحياة بعد الموت، ولستُ أقصد بذلك البعث، بل هم كانوا يعتقدون أن الجسد قد يخرج من قبره ويهيم في الشوارع.
صورة تخيلية لحشد من الزومبي.
كان خوف الإغريق من أن يعود الموتى إلى الحياة مستمرًا، رغم أن هذا لم يحدث قط -ولن يحدث كما تعلم- لكن عقولهم كانت متوجسة تتطيّر لأتفه الأسباب، وهنا نجد أن فكرة عودة الموتى إلى الحياة منتشرة منذ زمن، وهي الفكرة الرئيسية للزومبي من الأساس، كما أننا نرى مفهوم العودة من الموت بشكل أوضح في غرب إفريقيا؛ إذ يقال بوجود كاهن يستطيع إحياء الموتى وجعلهم تحت إمرته جميعًا، وهنا يبدأ الأمر! لكن قبل أن نتطرّق إلى ذلك، دعني أوضح لك القصة من قبل البداية..

علينا الآن أن نصل إلى (دولة هايتي)، حيث تم استعباد الأفريقيين قسرًا ليتولوا الأشغال الشاقة، وبالطبع، بما أن العبيد جاؤوا إلى هايتي، فديانات العبيد جاءت هي الأخرى، وكانت ديانة الفودو، وأصلها إفريقيا الوسطى وانتقلت مع العبيد إلى هايتي، يمكننا القول إن الأفريقيون لا تسمح لهم نفسهم بأن يُستعبدوا عند أحد، هنا قامت واحدة من أهم الثورات في التاريخ، وهي: الثورة الهايتية، ودون الخوض في الكثير من التفاصيل فقد نجحت الثورة، وتحرر كل عبد إفريقي من عبوديته، وتحررت معها ديانة الفودو، والآن حان الوقت كي أخبرك ما علاقتها بقصتنا.

الكاهن في ديانة الفودو يدعى بوكور، وهو يمتاز -في معتقداتهم- بقدرته على إعادة الموتى إلى الحياة مسلوبي الإرادة، وهذا بالضبط هو تعريف كلمة (زومبي)، كما يقال إن البوكور كان يقوم بخدعة ما ليوهم الناس أن المرء قد مات، لكنه يكون دخل في غيبوبة، ثم يحقن جسده بعقار يجعله يفيق، مع مواد لا تسمح له بإدراك ما يحدث حوله، فهكذا يصبح لدينا (زومبي) آخر.

ثم تطور شكل الزومبي عبر السنين، لتصبح كائنات عدوانية لا يهمها شيء سوى التهام مخك وجعل حياتك جحيمًا، وتتكون في الغالب من جماعات، والواحد منهم ضعيف للغاية، لا يوجد من هو أضعف من رجل ميت على كل حال! 

في الواقع، أسطورة الزومبي هي الأكثر شعبية بين كل ما ذكرناه، روايات وأفلام ومسلسلات وألعاب فيديو بأعداد هائلة موضوعها الزومبي! منها الأمثلة التي ذكرتها لك آنفًا.

بناء الأساطير: نهاية قصة لا تنتهي!

ثمة لعبة شائعة تُدعى "الهاتف الصيني"، حيث يجتمع عشرة لاعبين، فيروي أحدهم قصة صغيرة أو موقفًا همسًا في أذن لاعب آخر. ثم يعيد هذا اللاعب القصة همسًا في أذن لاعب ثالث، وهكذا حتى يصل الدور إلى اللاعب العاشر الذي يحكي القصة بصوت عالٍ.. وهنا، يتضح أن القصة قد تغيرت تمامًا وأصبحت شيئًا آخر.

تلك هي، في الواقع، صورة مصغرة لما يحدث عندما تتنقل الحكايات عبر الأجيال، فلا تتوقع أن تصل إليك القصة الفلكلورية كما كانت في بدايتها؛ إذ إن ألسنة البشر، بتأثيراتها الطبيعية، لا تستطيع إلا أن تُدخل تعديلات على كل حكاية، معتقدةً أن تلك التغييرات لا تضر جوهرها، فمن كان ليعلم، على سبيل المثال، أن مهرجًا مرسومًا على جدار في معبد إغريقي سيكون مصدرًا لكتابة واحدة من أشهر روايات الرعب في التاريخ؟ إنها رواية It للكاتب ستيفن كينج.
وقد استغرق الأمر مني وقتًا طويلاً وجهدًا شاقًا لاستخلاص المعلومة من بين دفاتر الكتب، حتى وصلنا إلى أقرب صورة للحقيقة.

المصادرُ والمراجعُ البحثيّةُ

  1. ورقة بحثية: الأمراض النفسية في التراث الطبي العربي الإسلامي.
  2. كتاب: The Werewolf in Lore and Legend
  3. ورقة بحثية: Lycaon and Classical Versipelles in MTV’s Teen Wolf: An Abstract 
  4. ورقة بحثية: Clinical Lycanthropy, Neurobiology, Culture: A Systematic Review
  5. ورقة بحثي: Fear of clowns: An investigation into the aetiology of coulrophobia
  6. كتاب: Tracking the Chupacabra: The Vampire Beast in Fact, Fiction, and Folklore
  7. كتاب: The Bloody Countess: Atrocities of Erzsebet Bathory
  8. كتاب: The Universal Vampire: Origins and Evolution of a Legend
  9. ورقة بحثية: Haiti, slavery, and the age of the democratic revolution
  10. كتاب: Bad Clowns
  11. مقال (نسخة إلكترونية): On the Origin of Zombies
  12. ورقة بحثية: Many (Un) Happy Returns: Ancient Greek Concepts of a Return from Death and Their Later Counterparts
فريق كَون - Con Team
أدهم نصار
أدهم نصار
كَاتِبُ مَقالات "لَدَى كَوْن" مُتَخَصِّصٌ فِي الغُمُوضِ وَالمَاوَرَائِيَّاتِ.
تعليقات