ما هي حدود إمكانية أن تمزقك رصاصة دون أن تراها أو يتواجد لها أثر؟ هل لا بد أن تكون المادة شيء مرئي وملموس في كل الأحوال؟ ماذا لو كان هناك بُعد آخر من المواد لا يُرى لكن تأثيره يبلغ حتى شعاع الضوء؟ ولكي تكتشف حقيقة (المادة المظلمة) فليس عليك أن تحضر الكشافات معك؛ لأن لهيب عقلك المشتعل من المفاجآت سيفي بالغرض! |
![]() |
| المادة المظلمة: لغز الكون الأعظم وتأثيره على البشرية. |
أولًا: ما هي المادة المظلمة؟
المادة المظلمة هي واحدة من ضمن تكوينات الكون التي تشكل حوالي 27% من جوهره مع عديد من المواد الأخرى، وكما هو واضح من عنوانها، فهي تختلف عن أي مادة غيرها نعرفها في أننا لا نستطيع رؤيتها، وذلك بالرغم من امتلاكها لكتلة ضخمة جدًا!
في الطبيعي نحن نَرى الأرض التي نقف عليها: بسبب ما تحتويه من كتلة ضخمة، بجوار أنها -بالطبع- مُضيئة، أي: هناك أسباب لانعكاس الضوء أدت إلى رؤيتنا لها، ولكن في حالة المادة المظلمة، فهي لا تعكس الضوء لنَراها، ولكن لها تلك الكتلة الكبيرة، التي ولا بد ألّا تُهمل!
كذلك فهي لا تتفاعل مع المادة المظلمة التي مثلها، وبالتالي لا يتم إنتاج أي اشعاع كما يحدث حين يتفاعل جسم مادي بشيء آخر -كأشعة جاما على سبيل المثال- ولكن هذه لا تنتج منها أي أشعة!
الأكيد أن المادة المظلمة أمر غاية في التعقيد ظلَّ العلماء منغمسين على مرِّ السنين في محاولة تفسيره بشكلٍ دقيق وواضح، إلا أنها جميعًا كانت جهود نظرية، لكن السؤال هنا: أين توجد المادة المظلمة بالتحديد؟ هل هي موجودة في كل جزء من أجزاء الكون؟ أم ينحصر وجودها داخل كوكب الأرض؟ وهل من الضروري أن يكون للمادة المظلمة تأثيرًا جليًا على كل القوانين الفيزيائية؟
شكل العلاقة بين المادة المظلمة والجاذبية:
إن واحدة من القوانين التي تحكم عالمنا وأهمها هي الجاذبية، والتي يفسرها القانون المُتعارف عليه لنيوتن، بأبسط معنى له فإن أي جسم في الكون يستطيع أن يجذب جسمًا آخر طالما أن له كتلة، وأن يُقابل أيضًا بمقدار من الجذب منه، وأوضح شيء يظهر فيه ذلك أننا نستطيع الوقوف والاستقرار على الأرض رغم حركتها المستمرة؛ وذلك لأن أجسامنا صغيرة بالنسبة لكتلة الأرض التي تقابلنا بقوة جذب عالية، ولذلك ننجح في أن نسير بكل أريحية على سطحها من دون أي مشكلة.
ولقد جاء آنشتاين بالنهاية واضعًا لمساته الأخيرة على قانون نيوتن وأضاف قانونه، وهو قانون (النسبية العامة)، وفي الطبيعي، القوانين الخاصة بالاثنين، تم تأكيدهما على عدة أشياء كثيرة، منها: الصواريخ، والأرض، لكن ما خالفَ تلك القوانين، كان بالنسبة لهم شيئًا عجيبًا -وهو المادة المظلمة- وعجيب في ذاته لأنه غير مرئي!
وبعودتنا إلى الماضي قليلًا لتوقيت العالم فريتز زفيكي، سنجد أن العالم زفيكي درس عنقود كوما المجري -وهو عبارة عن تجمع من عديد من المجرات في نقطة واحدة تبعد عنّا 300 سنة ضوئية، وتتخذ نفس المسار المجري- ولاحظ سنة 1933 أن مقدار السرعة المدارية الخاصة بالمجرات -أي السرعة التي تدور بها حول مركزها، وحول أي جسم آخرـ هناك لا يتوافق مع كتلة المادة التي تم كشفها ورؤيتها، بمعنى أن كتلة المادة المُقاسة نفسها "شديدة الصغر" مقارنةً بما نراه من قوة جذب رهيبة! وهذا ما يُخالف قانون الجاذبية لنيوتن المتعارف عليه.
لنستطيع تخيل ذلك بشكل أوضح، يُمكننا ببساطة إحضار مجسم ثقيل نسبيًا وربطه بشيء أخف منه كمجسمات نجوم مثلًا، ثم نقوم بإدارة أيدينا، سنلاحظ أن النجم هنا يدور بسرعة قليلة، وإذا أضفنا للثقل الذي وضعناه بالأسفل ثقلًا آخر، سنلاحظ أن السرعة تزداد بالفعل، وهذا بالضبط ما لوحظ لعنقود مجرة كوما ولكن مع عدم وجود ذلك الثُّقل! فالسرعة تزداد بمقدار لا يتوافق مع الكتلة المقاسة، وهذا ما دفع العالم زفيكي حينها إلى الافتراض بوجود مادة ذات كتلة كبيرة تؤثر في جاذبية النجوم وسرعتها، ولكن هذه المادة لا يمكن رؤيتها! لذلك كانت فرضيات زفيكي خيط البداية الذي من بعده طور العلماء سيناريوهات كاملة لم تتوقف عند هذا الحد!
فرضيات إثبات وجود المادة المظلمة:
كانت ڤيرا روبين سنة 1970 تركز في دراستها على نوع من المجرات يسمى (المجرات الحلزونية)، ومن واقع دراستها للنجوم التي تدور حول مركز المجرة، اكتشفت أن النجوم التي تدور بعيدًا عن مركز المجرة، أي: على حوافها، تتحرك بسرعات فائقة، لدرجة أنه من الممكن مع شدة سرعتها أن يتم قذف تلك المجرات إلى الفضاء البين نجمي -وهو الفراغ أو المسافات التي تبعد نجوم المجرة الواحدة عن بعضها- وفي هذا السياق فسرت ڤيرا تلك الظاهرة من ناحية أن المادة المظلمة لا بد وأن تكون متواجدة على حدود المجرة، وأن المجرة بالكامل تسبح خلالها، فالكتلة الضخمة للمادة المظلمة ستقابل النجوم بجاذبية عالية، وهو ما يفسر -من وجهة نظرها- السرعات الفائقة لتلك النجوم!
من ناحية أخرى، وفي سنة 1974 ظهرت فرضية المادة المظلمة بشكل دقيق عبر العالم (آرميا اوسترايكر Jeremiah ostriker) الذي درس سرعة حركة النجوم في أفلاكها، ونشر استنتاجاته في ورقة في صحيفة الفلك والفيزياء، وبالعودة إلى قانون نيوتن للجاذبية، نجد أن أي جسمين لهما كتلة كبيرة يؤثران على بعضهما بقوة جاذبية كبيرة أيضًا، ولأن قيمة مربع نصف القطر في المقام تتناسب عكسيًا مع مقدار الجاذبية المتبادلة بينهما، فالمنطقي هو أنه كلما ابتعدت النجوم عن مركز مجرتها الذي تتركز فيه الكتلة، كلما قلت قوة الجذب التي تتعرض لها، وهو ما يجعل النجوم الواقعة على حدود المجرة بدورها تتلقى قوة جذب ضعيفة!
لكن ما رصده آرميا وقتها ووضعه في ورقته هو أن منحنيات الدوران بها زيادة خطية، أي: زيادة منتظمة في السرعة، وكلما زاد نصف قطر المجرة، أي: ابتعدت عن المركز، وهو ما يخالف قانون نيوتن للجذب! وبالتالي كان الإستنتاج المنطقي من وجهة نظره وقتها أنه على أرض الواقع تكون نسبة الكتلة الكلية للمجرة إلى كتلتها التي رُصدت سابقًا كبيرة، وقد فسر أوسترايكر هذا الأمر بأن المجرة الحلزونية محاطة بمادة مظلمة، غير مرئية وذات كتلة كبيرة، وهذه الكتلة هي ما تزيد من قوة الجذب التي تتعرض لها النجوم، فتزيد من سرعتها كمحاولة منها كي لا تُقذف خارج المجرة.
المفعول العدسي التثاقلي:
إذا توقفنا بتفكيرنا نحو تساؤل عن المدى الذي يمكن أن تصل له قوة الجاذبية، فسنجد حقيقةً أنه ليس بالضروري أن تكون الجاذبية متبادلة بين الأجسام المادية فقط! بل يُمكن أن يتم جذب الضوء ناحية جسم آخر له كتلة ضخمة جدًا، هذه الفكرة قد نوقشت في ظاهرة عُرفت بالمفعول العدسي التثاقلي.
كمثال توضيحي، فإن افترضنا أن الضوء الساقط على مجرة ما وهو في طريقه للرجوع إلينا كي يُتاح لنا رؤيتها، فإنه من الممكن أن يتعرض إبان ذلك لتأثير جاذبية جسم كبيرة جدًا ليأخذ مسارًا آخرًا غير مساره الأصلي، ويستمر الضوء في ذلك حتى يستطيع أن يبتعد عن هذا الجسم فتنفكُّ عقدة الجاذبية، مستكملاً الضوء طريقه بعد ابتعاده كما كان سابقًا في خطوط مستقيمة.
كيف كان شكل النتيجة المترتبة على أمرٍ كهذا؟
إذا سنحت لك الفرصة أن تلتقط تليسكوبًا وتقوم برصد مجرة بعينها، فأحيانًا يحدث أن تلاحظ تلك المجرة للوهلة الأولى في مكان، وعندما تعاود النظر نحو نفس المجرة ولكن في الجهة المجاورة لها، فستتفاجئ بالتقاط عيناك صورة لنفس المجرة المجرة ولكن في مكانٍ آخر!
هل هذا يعني وجود أكثر من نسخة لنفس المجرة؟ كإجابة على أول سؤال محتمل أن يخطر ببالك: لا، بل هُما مجرة واحدة، وبالتفكير قليلًا، ستجد بالطبع أن هناك سبب، وهذا السبب هو الذي قُمنا قبل ثوانٍ بذكره في النُّقطة الثانية في التعريف، وهو مرور الضوء بجوار جسم له كتلة وجاذبية ضخمة، ونتيجة لذلك ينحني الضوء، ليسوق الإنحناء هذا نحونا صورة للمجرة التي نريد رؤيتها -والتي هي في موضع إنحناء الضوء- وصورة آخرى لها في الموضع الذي سارَ فيه الضوء بشكلٍ طبيعي بعد تحرره من جاذبية ذلك الجسم -أي بعد ابتعاده- وهنا ظاهريًا توجد المجرة في مكانين، ولكنها بالأصل في مكانٍ واحد!
وأطلِق لي عنان مخيلتك لدقيقة واحدة ثُم سأسمحُ لكَ بذكر ماهية ذلك الجسم، ربما ستتوقع أنه تم رصد نجمٌ كبير ضخم، أو كوكب ضخم...، لكن الإجابة في أن الذي رُصِد هو في واقعه (لا شيء) وهذا بالمعنى الحَرفي! لأنه كان ببساطة (مادة مظلمة).
وفي سياق هذا الأمر تمامًا، استطاع تليسكوب (Chandra observatory) التابع لوكالة Nasa، في واحدة من المرات الفاصلة التقاط صورة مهمة سنة 2004 لآلاف المجرات التي اصطدمت في بعضِها على بعد 7 مليار أو 6 مليار سنة ضوئية منا! والمنظر الناشئ عن ذاك الاصطدام تم تسميته بـ (Bullet cluster) وبالعربية (تجمع الطلقة) كوصف دقيق يسمح لك بتخيل المنظر الناشئ عن ظاهرة كتلك، وفي حالة أننا أردنا رصد مجرة ما تقبع خلف مكان ذلك الاصطدام، فإن رؤيتها تأتي إلينا بصورة مشوهة، حتى ولو تم الرصد بعد إنتهاء الاصطدام بالفعل!
وقد أرجع سبب ذلك إلى تجمع المادة المظلمة بشكلٍ كبير -والتي بالطبع لا نستطيع رؤيتها- ولكنها توجد سابحة في المجرات، وعند حدوث ظاهرة الاصطدام الذي يؤدى إلى تكونها بشكلٍ ضخم في مكانٍ واحد، فيصيب الضوء عدد من الإنحناءات لا بأس بهِ، إلى أن تتكون أكثر من صورة للمجرة الواحدة، حتى تُفقد هذه الصور فلا تبقى ولا واحدة للمجرة، وبالتالي لا نستطيع رؤيتها إلا على هيئة شيء مُشوه متداخل فقط!
لكن طالما أن المادة المظلمة بالفعل تستطيع أن تجذب الضوء في اتجاهها، وبالنظر إلى الأمر من هنا فإن الثقب الأسود يمتلك نفس الميزة في شد أي شيء يقترب منه بل وابتلاعه! وبالتركيز على أن كليهما مُعتمان أيضًا، فبالإستناد على أوجه التشابه بينهم يأتي سؤال في غاية الأهمية: وهو هل يمكن أن تكون المادة المظلمة هي نفسِها الثقب الأسود؟
الفرق بين الثقب الأسود والمادة المظلمة:
في البداية وقبل الغوض في أعماقِ هذا الموضوع، ينبغي ذكر أن (استيڤن هوكينج) قام بنشرِ ورقة بحثية تنص على أن المادة المظلمة تتكون من مجموعة كبيرة من الثقوب السوداء البدائية التي نشأت في اللحظات الأولى من تكون الكون -الانفجار العظيم- ولكن هذا خاطئًا!
ففي دراسة نُشرت مؤخرًا في مجلة (نيتشر) العلمية والمعروفة بغوصها في مجالات الفيزياء والأحياء، أشار فريق بحثي مشترك من اليابان والهند والولايات المتحدة إلى أنه ليست هناك دلائل كافية لتأييد تلك الفرضية، حيث أكدت الأرصاد الخاصة بهم أنه لا يوجد أي تأثير يذكر لتلك الثقوب، بمعنى أنه في حالة الثقوب الذي تكلم عنها استيفن فهي لم تؤثر تأثيرًا جليًا على الضوء الذي يصدر من المجرات والكواكب، وهذا عكس ما قيل على المادة المظلمة بخصوص قدرتها على جذب الضوء بشكل ملحوظ نحوها، وهو ما أوضحه المفعول العدسي التثاقلي السابق ذكره.
وبشكلٍ آخر، فإن المادة المظلمة ليست مادة (مظلمة) بشكلٍ كامل، فنحنُ نعرف أنها موجودة وأنها تتركز في لب المجرات وحولها، والكواكب، ولكنها لا تصدر أي شعاع، وهذا ما يجعلها غير مرئية للعين، ولكننا نعلم وجودها من جذبها للأشياء التي حولها.
وهذا ما جعل ستيڤن هوكينج مخطئًا، فبحسب نظرية ستيڤن هوكينج فهو يظن أن الثقب الأسود هو المادة المظلمة لأن المادة المظلمة لها كتلة تمكنها من جاذبية الأشياء، وهي سوداء.
وما يجب إيضاحه في ذلك، أن المعروف هو كون الثقوب السوداء تنشأ من إنفجار نجم عملاق بنفسه، تاركًا في مركزه ثقبًا أسود لا ينفلت حتى الضوء منهُ من شدة جاذبيته، ولذلك هو يظهر باللون الأسود.
وبالرغم من ذلك فهذه ليست النوعية الوحيدة التي تكوّن الثقوب السوداء، فعند ضغط أي قدر من المادة بحيث يتقلص حجمها عند حد معين، فإن مركزها يتحول إلى ثقب أسود، كمثال على أي كوكب حتى الأرض، إذا قلصناه حجم حبة، فهو يكون ثقبًا أسودًا!
وبالإشارة إلى اللحظات البدائية لنشأة الكون حين كانا الضغط والحرارة مرتفعين جدًا، قد تقلصت الكثير من الجسيمات التي أدت لتكون الكثير من الثقوب السوداء البدائية، ولذلك افترض ستيڤن هوكينج أن الثقوب السوداء هي نفسها المادة المظلمة، لما بها من خواص مشتركة ذكرناها قبلًا.
ولنثبت الخطأ الصادر منه، فبحسب الدراسة أن ذلك غير ممكن إطلاقًا، حيث استخدم فريق بحثي بالولايات المتحدة الأمريكية تلسكوب (سوبارو) ليجري رصدًا دقيقًا لمجرة (أندروميدا) القريبة منّا، وهي تبعد 2.5 مليون سنة ضوئية! وقام بتصوير 190 صورة متتالية ليرصد الإختلافات الطفيفة والدقيقة للأشعة الخاصة بالنجوم التي في المجرة، لأنه إذا كان هناك ثقوب سوداء صغيرة تحيط بالمجرة فإنها ستؤثر على إشعاع النجوم بأنها ستجذب الإشعاع نحوها، وكلما اقترب كلما أحدث ذلك في صورة وميض مميز، لذلك توقع العلماء أن تكون الصور في حالة وميض كل عدة دقائق وجاءت الأبحاث أن حالات الوميض التي يمكن أن نرجعها إلى وجود ثقوب سوداء بدائية هي %0.1 من تركيب المادة المظلمة المتوقعة لمجرة (أندروميدا) مما يعني أن هوكينج كان مخطئًا، وأن الثقوب السوداء ليست المادة المظلمة!
والحقيقة أنه لو تخيلنا تواجد إنسان في نقطة قريبة من ثقب أسود، فالغالب أن الثقب سوف يبتلعه بداخلة على الفور! لكن من ناحية آخرى حين نفكر في ماهية تأثير المادة المظلمة على الإنسان نقف أمام عتبة الكثير من الاسئلة:
هل للمادة المادة المظلمة نفس التأثير الذي قد يتولد على الإنسان من ثقب أسود؟ أم أنها ببساطة لا تحمل أي تأثير عليه؟
تأثير المادة المظلمة على جسم الإنسان:
تشير الدراسة الجديدة إلى وجود إحتمالات بأن يتصرف أحد أشكال المادة المظلمة مثل سلوك المقذوفات الصغيرة عالية السرعة، ويمكن حينها أن تنفجر تلك المادة في اللحم البشري كالرصاص..!
ولكن على الرغم من أن ذلك الإقتراح بعيد بعض الشيء، إلا أن العلماء قاموا بوضع نظرية جديدة تنص على أنه من الممكن لجزيئات معينة بالمادة المظلمة أن تقتل البشر في بعض الأحيان، وإذا كان هذا النوع (المعين) موجود بالفعل فمن الممكن أن يمر عبر جسم الإنسان كالرصاص، وفي هذا الصدد يوضح العلماء أن المادة المظلمة تتكون من جزيئات ضخمة متفاعلة مع بعضها بشكلٍ ضعيف تُسمى (ماكرو)، ومن الممكن أن تتفاعل وحدات (الماكرو) بشكل مباشر مع الأجسام المادية مثل الأجسام البشرية، مسببة أضرارًا ساحقة! وكتأكيد على ذلك فقد كتب العلماء عن دراسة الموت بالمادة المظلمة (Death by Dark Matter) أن الأضرار التي من الممكن أن تحدث أثناء التصادم ستكون ممثالة تمامًا للإصابات الناجمة عن إطلاق النار.
وأخيرا، توضح الدراسة أنه على الرغم من عدم إصابة أي شخص بالمادة المظلمة، إلا أن هذا الإحتمال يقدم زاوية جديدة للبحث عن تلك المادة الغير مرئية والمظلمة، وهي أننا يمكننا في المستقبل إستخدام جسم الإنسان ليكون كاشفًا عن المادة المظلمة!
مما تتكون المادة المظلمة؟
يفترض العلماء أن المادة المظلمة تكونت من جسميات عالية ﺍﻟﻜﺘﻠﺔ وﺿﻌﻴﻔﺔ ﺍﻟﺘﻔﺎﻋﻞ، اختصارها هو الـ (WIMPs).
هذه الجُسيمات تكاد لا تتفاعل مع أي شيء مادِّي، ولكنها تتفاعل مع الجاذبية بشكلٍ ضعيف، وهي مُعتمة، وهذا ما جعلهم يفترضون أن المادة المظلمة إن كانت تتكون من جُسيمات، فقد تكون تلك الجسيمات هي الـ WIMPS، كما أنهم يفترضون ذلك على حسبِ نسبة الجزيئات التي في الكون التي نعرفها والتي تشكل 5% فقط من الكون أجمعه! هذه النسبة بدورها تنقسم إلى 27% مادة مظلمة، و 68% طاقة مُظلمة.
ولكن ولم يتم الكشف عن ذلك الجُسيم -الويمب- بشكلٍ كافٍ، فهم فقط يفترضون وجوده على حسبِ ما يروه في المُعدات الحديثة لهم، بحيث يتمكنوا من فرض أن المادة المظلمة كانت موجودة وقت الإنفجار العظيم بشكلٍ ضئيل، إلى أن كثُرت مع الوقت واصطدمت في بعضِها لتكون تفاعلات أكثر فيما بينها، ولكن أيضًا قد يؤدي اصطدام إثنان ببعضهما لوقف التفاعل، أي أن هذا التصادم يُفسدهما بمعنى أوضح.
وﻋﻨﺪﻣﺎ استغل ﺍﻟﺒﺎﺣﺜﻮﻥ ﺧﺼﺎﺋﺺ نظائر العناصر -وهي تعني ببساطة شكل لنفس العنصر ولكن مع كُتل مختلفة، لكنهما متشابهين في العدد الذري- وركزوا على العناصر خفيفة الكتلة والتي تتمتع بحساسية عالية للتفاعلات، وهذا مفيد في حالة المادة المظلمة كما سبق ذكره في أنها لا تتفاعل بسهولة، وقد كانت تلك الحيلة غرضها تقدير النسبة الموجودة ﺣﺎليًا من المادة المظلمة، وإبانها وجدوا ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﻄﺎﻑ نسبة طابقت ﺗﻘﺮيبًا ﻛﻤﻴﺔ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ ﺍﻟﻤﻈﻠﻤﺔ ﺍلتي رُصدت من سابق التجارب، وقد سُمّي ذاك التطابق بمعجزة جزيئات WIMP، حيث ﻳﻌﺘﻘﺪ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﺃﻥ ذلك ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ أكثر من مجرد صدفة!
ﻳﻘﻮﻝ ﺗﻴﻢ ﺗﻳﺖ Tim Tait ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻔﻴﺰﻳﺎﺀ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺔ ﻣﻦ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﻛﺎﻟﻴﻔﻮﺭﻧﻴﺎ:
"إن اﻟﻨﻈﻴﺮ ﺍﻟﻔﺎﺋﻖ ﺍﻷﺧﻒ ﻟﻠـ WIMP ﻣﺴﺘﻘﺮ ﻭﻏﻴﺮ ﻗﺎﺩﺭ ﻋﻠﻰ ﺍلتلاشي ﺇﻟﻰ ﺟﺴﻴﻤﺎﺕ أخرى، ﺑﻤﺠﺮﺩ تكوّن WIMPs ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺍﻻﻧﻔﺠﺎﺭ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ، فإن ﻛﺜﻴﺮًا منها ﺭﺑﻤﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻮﺟﻮﺩًا ﺣﻮﻟﻨﺎ ﺍﻵﻥ ﻭﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ تكون قد زالت ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ يلحظ ﺃﺣﺪ لأنها ﻧﺎﺩﺭًﺍ ما تصدر إﺷﺎﺭﺓ ﻳﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﺍﻟﻜﺸﻒ ﻋﻨﻬﺎ".
وتمَّ إستخدما مُسرع الجسيمات أو مصادم الهيدرونات الكبير الذي يُرمز لهُ برمز LHC والموجود تحت الأرض بكم كبير، وفكرته تركز على عمل تصادمات بين الجُسيمات ببعضِها كالإلكترونات والبوزيترونات، هذا الإصطدام بالتأكيد ينتج عنه طاقة قوية، والمحتمل في أحد تلك المرات أن تتحول طاقة الإصطدام إلى WIMPS!
ماذا بعد إكتشاف المادة المظلمة؟
من الممكن أن المادة المظلمة قد تستخدم في توليد طاقة جديدة لنا، وبهذا تصبح مصدرًا لحل معضلات الطاقة التي نمر بها ومستمرة حتى الآن، وربما ممكن أن نستخدمها كتأثير على المواد التي نعرفها في الأرض، وأن نخترع تكنولوجيا جديدة وفي العديد من الأشياء الأخرى بالطبع! وآمل أن يتم وجودها بالفعل بين جزيئات البروتونات Protons، وهذا ما أتوقعه، وبالنظر إلى كل ما ناقشناه، فلا يسعنا سوى استيعاب أن الكون شاسع للغاية ولا يتوقف، بل هو في حالة تمدد دائمة، والله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن الكريم ( وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ) سورة النحل - الآية 8، فهناك الكثير مما لا نعرفه عن المادة المظلمة والطاقة المظلمة، وما هي إلا جهود للعلماء في هذا الإطار التي ساعدتنا لنتعرف على جزء بسيط من مدى إبداع الله سبحانه وتعالى في خلقه، ولا شك أن معرفة ماهية تلك المادة المظلمة هي بوابة علم جديدة لنا.



