هل لا يبكي الرسول؟ في منتصف شوال، العام الثالث من الهجرة النبوية، اليوم الذي سقطتْ فيه القلوب، وطُهرت فيه الأرض بأبدان شهداء دين الله، حين تعرّف الصحابة على ألمِ رسول الله من جانب مُوجعٍ، وقد كان الأمر من قبله يسير على نحوٍ بأن تُرى الدموع في عينيه، لكنه لم يُرَ يجهش، لم يشهدوه بتلك الجرعة من الألم! ولكن الجواب: أنّ الرسول بكى وانتحب، وتأسى قلبه لذعةً على فقيدهِ، ذاك الفقيد الذي كان مِن أعظم مَن صدّق الله ووفى بعهده!
![]() |
| حين انهمرت دموع رسول الله على حمزة أسد الله وسيد الشهداء |
من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه:
وافق يومٌ من عام 54 قبل الهجرة مولد صحابيّ ونصرًا مقدمًا للإسلام معًا، رجلٌ ارتجت الأبدان بذكر عنوانهِ وهُزمت خلفه حروف التاريخ، كان له العزّة والأمر؛ فلم يكن من المفاجئ أن يصير واحدًا من زعماء قبيلة قريش وساداتها -والتي كانت من أقوى القبائل التي ذاعَ خبرها من قبل الإسلام ومن بعده وحتى يومنا هذا- فما قصة ذلك الرجل الذى أبكى الرسول وفطر قلبه؟
حبيب رسول الله (أسد اللّٰه حمزة):
حمزة بن عبد المطلب، محاربٌ حفرتْ آثار سيفه على الصخور قوته، كان قياديٌ وجيه يدب ذكر اسمه في قلوب عشيرته، لا ترتج أنفاسه من أن يقع عليها الموت، ولم يهب في أي مرة من أن يتحدى الكثير من قادة قريش العظماء؛ فكان يتغنى به العزّ كصفة فيه، موفور الكرامة، بطل من أبطال قريش، وكان القتال سمة مرسومة على قدره منذ طفولته؛ فوجد الوسيلة الأولى لتتوهج قدراته ومواهبه في أول حرب خاضها -حرب الفجار- والتي كان النصر فيها لقريش، لا تقف الشجاعة ذاتها أمامه في أي قتال إلا وانحنت له!
حمزة ورسول الله:
الواضح في العلاقة التي ربطت حمزة بنبينا هي علاقة العمومة؛ فحمزة كان عم النبيّ، وبالنظر إلى فارق السن فيبدو أنه لم يزد عن ثلاثة أعوام بينهما، وهكذا فإن (ثويبة مولاة أبي لهب) جمعت بين رضاعتهما؛ فصارا أخوين في الرضاعة، ومن منظور آخر، فقد عاش حمزة مع الرسول وتناغمت علاقتهما معًا، منذ صغرهما نبتت زرعتها وتشبعت حتى شبّت أصيلة لا يصيبها الشيب ولا يحاوطها مكروه ليفسدها حتى انخنس إلى باطن الأرض منهزمًا؛ فلو نظرنا لعلاقة حمزة بالرسول لوجدنا فيها كل جوانب الأخوة والصداقة الراسخة التي يُبحث فيها كي تُتخذ أسوة.
ولقد كانت المحبة بينهما هي من أجلّ الرؤى التي تحب الأعين أن تتطلع عليها؛ فنبينا محمد كان شديد التعلق به، وشمله بمحبتهِ ورعايتهِ، وأقبل على الرسول بقلبهِ وروحهِ وعواطفهِ، وقد كان حمزة تؤزه نار الغيرة على أخيه لو أن أحدًا دنا بمحاولة للنيل منه في وقتٍ كانت فيه كلمته كافية ومستوفية.
فمن أجلّ المواقف التي تتعمق في ذلك، وقتما سمع حمزة بما أُلقي على الرسول من أذًى وسبّ على لسان أبي جهل -لعنه الله- حين رجع من القنص؛ فضربت ثورته بالأرض واندفع بطُرقه نحو أبي جهل؛ فلم يهزه تربعه وسط قومه وشجّه ضاربًا على رأسه بالقوس مرة، وبكلماته مرة أخرى وقد تجهم وقال: (أتسبه وأنا على دينه وأقول ما يقول؟ فاردد عليّ إن استطعت!).
لم يكن قد توانى قبلها في مساندة أخيه ودعمه؛ فقد أسلم حمزة بن عبد المطلب في السنة الثانية أو الثالثة من بعثة أخيه كنبي، وحين قام رجال بني مخزوم كلهم يقفون أمامه؛ نصرة لأبي جهل، لم يطرف ذلك من عينيه أو يهز شبرًا من بسالة قلبه؛ فكانت هيبته تكسر بكل السيوف وتحط من بطش متعالٍ كان أو جليل، ودفاعه عن النبيّ صفة تلازمه، متأصلة بجذورها حرفيًا.
فلقد عز الله رسوله بحمزة، وكان مجرد امتلاكه لموقع من مواقع أي معركة دبّ ذلك الرعب والهزّة في قلوب أعداءه، لا يغفل أبدًا عن حماية أخيه ومؤازرته؛ فكان ذلك يكفهم عن بعض ما يكيدونه للنيل من الرسول.
أسدٌ على أحدٍ (حمزة في أحدٍ):
العالق في عقل أي شخص عن يوم أُحد حقيقة أنه كان يوم مصيبة وبلاء على المسلمين، لدرجة أنه شاع فيه مقتل الرسول، وعَلا أنف المشركين واختال منهم بما قدر من الوسائل؛ لدحض إرادة المسلمين، والثأر لما نالوه منهم في يوم بدر، واستطاع خالد بن الوليد أن يبيد الرماة من المسلمين وخلفهم حمل على سيفه إبادة البقية، وكان حمزة الذي خرج بالجيش بين يديه تظهر بطولاته بشكلٍ مستقلٍ عن الجيش، ولكنه يماثلهم! لم يتخلَ عن جانب الرسول ودفع الأعداء حضيضًا، والذين كانت رؤية حمزة وشراسة اصطياده لجوانب المعركة بالنسبة لهم رادعًا مؤلمًا، خاصة وأنه كان قد فعل بهم الأفاعيل في يوم بدر، وأصبح بذلك اسمه مفتاحًا لسجل انتقامهم، حاقدين وباغين، وقد كان مكرهم في ذلك رابحًا حين أُسدلت مهمة إزاحته (لوحشي بن حرب)، ذاك الذي عرفوه بموهبته التي لا تُخطئ التسديد بحربته نحو هدفهِ، فقد كان كل من تبصرّه واختبأ يعدّ له، لحظة وتهزه مشاهد نيله وقوته، حتى إذا انطلقت حربته من يده فأخطأت رأسه وقد اخترقت أحشاءه فتركه وهرب حتى تيقن له موته، نفسه هذا وحشي أصبح صحابيًا (رضي الله عنه)، ولاحقًا قد قاتل مع جيش المسلمين بقيادةِ خالد بن الوليد جيوش المرتدين؛ فاشترك مع رجل من الأنصار لقتل مسيلمة الكذاب، فدفع عليه بحربته وقال وحشي مقولته الشهيرة: (قتلت خير الناس، وقتلت شر الناس!)، وبوصول خبر موت حمزة عمدت هند بنت عتبة -زوجة أبي سفيان- إلى جسد حمزة خاصةً وشوهته، ومثلت به أشد تمثيل مستلذة وظافرة؛ فانقضتْ المعركة بالهزيمةِ والألمِ، وخرج الرسول بغصةٍ في قلبه يتلمس حمزة من بين القتلى، وحين وجده مُمثلًا به في بطن الوادي ضرب هذا في قلبه وتقطع فؤاده إبان رؤيته مشوهًا، لم يبكِ الرسول وتهتَج مدامعه كما فعل يوم شهد فقيده وعزيزه حمزة، وكره أن يراه أحد على هذا الحال حتى أخته -صفية بنت عبدالمطلب- فبكاه وقال: (لن أصاب بمثلك أبدًا!).
![]() |
| قول النبي الكريم: لكنَّ حَمزةَ لا بَواكيَ له! |
سيد الشهداء (شهداء أحد):
كُتب في يوم أحد الشهادة لسبعين رجلًا من المسلمين، وكان حمزة ممن أكرمهم الله بالشهادة، بل سيد الشهداء؛ فكان الرسول كلما أتى بشهيد جعل حمزة معه وصلى عليه، حتى صلى عليه سبعين صلاة، وحين أمر بدفنه لم يتحمل فؤاده؛ فجلس على حافة قبره ونزل فيه أبو بكر وعمر والزبير وعليّ، ولما رجع من أُحد للمدينة سمع نساء من الأنصار يبكين على شهدائهن فقال: (لكنَّ حَمزةَ لا بَواكيَ له!)؛ فنزلت في حمزة آيات جلية من الله: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي)، وأخبره جبريل أن حمزة بن عبد المطلب مكتوب في أهل السموات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله.
ما قيل في حمزة (أسد الله):
قيل في حمزة: كان رجلًا في أمةٍ وأمة في رجلٍ، لا يعيش لنفسه بل للمسلمين جميعًا، وهنالك حقيقة مُهمة، وهي أن الأزمان تتفرق، ويضرب بوقائعها وحوادثها التي صنعتْ الدّين القيّم، الاندثار ما بين فجع النسيان ومصيبة الجهل، ووالله إن حديثي كله لا يمكن أن يخلو من كونه (إلا مَن رحم ربي!)؛ حتى أنكِ -فتاة أو امرأة- لو أطلقتِ العنان للتدبر بحال رجل في زماننا لوجدتيه يرثي ماضيه ويضرب بالكفوف على رحب خدّيه، ولو سمع المرء -في واحدة من خطب الجمعة- أو نقّب في التاريخ عن هؤلاء المجاهدين في الإسلام، كيف هزّت أقدامهم مشارق الأرض ومغاربها وحفرتْ أنفاسهم العاتية في الصخر؛ لتردّى بنفسه في الأرض على وضاعة أهدافه وذبحه للوقت بما لا ينفع ولا يقر! هؤلاء كانوا رجالًا، حيث أصابت الكلمة موضعها ولم تُنتقص، وحيث لم ينحصر طريق القوة أبدًا في الدهس باللسان، كان الشموخ هو علم بلدان أفئدتهم، والشجاعة التي وضعتْ عهدًا لنفسها أن تقتر دمًا من جسدها ولا أن ترضخ، يكسرون بها تعالي ورعانة كل متعال، واليوم أصبح لا يمكنك أن تجد فرقًا جليًّا بين رجل وامرأة! فالرجال صاروا يتزينون بالمساحيق، والنساء صرن يشوهن أجسادهن ليصرن رجالًا، لكن في خضم ذلك كان نور الإسلام مشارقه قلوب رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، تلك آية أخرى من اللاتي نزلن في سيد الشهداء حمزة، وحين روى إلينا جابر بن عبدالله واحدًا من مواقف الرسول قال: وُلد لرجل منا غلام وقالوا ماذا نسميه؛ فقال النبي: سموه بأحب الاسماء إليّ؛ حمزة بن عبد المطلب، رحمة الله ورضوانه عليه أبد الأبدين ودهر الداهرين.
المصادرُ والمراجعُ البحثيّةُ (هام جدًا):
![]() |
| فريق كَوْن بالعربي. |


