لكُلٍّ منَّا علماء ومشايخ، نسمع منهم دروسًا ومحاضرات، لكن إن سُئلنا عن سيرهم الذاتية لا نعرف عن حياتهم شيئًا، رغم أنَّ من المهم أن نقرأ في سير العلماء المعاصرين، حتى نقتدي بهم، ونتعلم من مسيرة حياتهم، فهم لم يولدوا علماء، بل مروا بمراحل عديدة حتى وصلوا إلى ما هم عليه من العلم الجليل الذي أوصلوه لنا.
لذلك، دراسة سير العلماء لها أهمية مثل سماع محاضراتهم الصوتية والمرئية، وفي مقالي، سأتحدث عن سيرة الشيخ أبي إسحاق الحويني، الذي ترك بصمة واضحة في مجال الدعوة والعلم، حيث لا يزال تأثيره مستمرًا في الكثير من أوساط العلماء والدعاة في مصر والعالم العربي، بالرغم من التحديات التي واجهها في حياته، ظل الشيخ الحويني مخلصًا لمبادئه، مدافعًا عن السنة النبوية، ومؤكدًا على أهمية العودة إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، لذا نقدر أن نقول أنه سيكون دائمًا أحد الأعلام الذين يذكرهم التاريخ بكلماتهم الطيبة ودعوتهم الصادقة.
![]() |
| أبي إسحاق الحويني: حامل لواء الحديث في العصر الحديث |
من هو أبو إسحاق الحويني؟
هو حجازي بن محمد بن يوسف بن شريف؛ أبو إسحاق الحويني، الأثري، المصري موطنًا ومولدًا ونشأةً. وقد سماه والدُه حجازي عند عودته من أداءِ فريضة الحج من بلاد الحجاز حرسها الله.
تَكنَّى في مطلع طلبه للعلم (بأبي الفضل) لتعلقه بالحافظ ابن حجر -رحمه الله- ثم ارتبط بكتب أبي إسحاق الشاطبي -رحمه الله- فحُبِّبَت إليه كنيتُه، وتعلق بها لما علم أنها للصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- فعُرف واشتُهِر بعد ذلك بين الناس بأبي إسحاق الحويني.
(وأما الأثري)؛ فهو المشتغل بعلم الأثر، أو الحديث، والمتبع في عقيدته ومنهجِه لِمَا صحَّ منها، وقد عُرِف بها الشيخ؛ إذ كان يكتبها على أغلفة مؤلفاته الأولى، ثم تركها تخفيفًا لذكر الاسم، وخشية أن يُظن أن ذكرها للتفاخُر أو تزكية النفس، وإن كان ذكرُها على سبيل الإخبار لا إشكالَ فيه.
وُلِد الشيخ الحويني في يوم الأحد غرة ذي القعدة لسنة خمس وسبعين وثلاثمئة وألف من الهجرة (1، وقيل 2 من ذي القعدة 1375هـ)، الموافق العاشر من شهر يونيه لسنة ست وخمسين وتسعمئة وألف (10/6/1956م)، بقرية حُوَين، بمحافظة كفر الشيخ، بمصر، والقرية تبعد عن عاصمة المحافظة ما يقرب من ثلاث عشرة كيلو مترًا تقريبًا.
أين نشأ أبو إسحاق الحويني:
نشأ الشيخ في بيت صلاح وفضل، وفطرة سليمة، لوالد محب لدينه، معظِّم لشرائعه، فكان صوَّامًا، قوَّامًا كما حدَّث عنه الشيخ، وكان الوالد ذا حشمة بين أهل القرية، يَعُدُّونه شيخًا لها، فكان يدخل بمشورته في فض النزاع والخصومات بين الناس.
مؤهلات الشيخ الحويني:
درس المرحلة الابتدائية بمدرسة الوزارية الابتدائية بقرية الوزارية.
درس المرحلة الإعدادية بالمدرسة الإعدادية القديمة، بعاصمة المحافظة كفر الشيخ.
درس المرحلة الثانوية بمدرسة الشهيد عبد المنعم رياض، بعاصمة المحافظة كفر الشيخ، وهي ملاصقة للمدرسة الإعدادية.
درس المرحلة الجامعية بجامعة عين شمس، كلية الألسن، قسم اللغة الإسبانية، بالقاهرة، وكان طيلة السنوات الأربع لا يَتخلف عن الثلاثة الأوائل على دفعته.
أُرسل إلى بعثةٍ لإسبانيا لتفوِّقه، ولم يمكث هنالك أكثر من شهرين تقريبًا، لكَدَرِ نفسه بالمخالفات التي كانت في الديار الإسبانية، وبهذه الرحلة أعفى لحيته، ثم عاد إلى مصر.
شيوخ أبي إسحاق الحويني:
- أول هؤلاء المشايخ: خاله الشيخ (عبد الحي زيان) رحمه الله وأخذ عليه القرآن.
- الأستاذ (عبد الفتاح الجزار) رحمه الله، وأخذ عليه اللغة العربية، وكان الشيخ بعدما اشتُهِر بين الناس إذا رأى أستاذه الجزار في المسجد سارع إليه، وقدمه لإلقاء كلمة، فكان الشيخ يُجِلُّه، ويُثني عليه كثيرًا.
- الشيخ (محمد نجيب المطيعي) رحمه الله، وأخذ عليه أصول الفقه، وأصول علم الحديث، ودرس عليه ما تيسر من صحيح البخاري، والمجموع للنووي، والأشباه والنظائر للسيوطي، وإحياء علوم الدين للغزالي.
- الشيخ (المحدث محمد ناصر الدين الألباني) رحمه الله، وهو أقرب مشايخه إلى قلبه، وقد تتلمذ له، وتأثر بكتبه.
رحلة الحويني إلى الشيخ الألباني:
وللشيخ رحلتان مشهورتان للشيخ الألباني:
الأولى: في شهر الله المحرم/ سنة 1407هـ.
الثانية: في شهر ذي الحجة سنة/ 1410هـ.
وفيهما عشرات المسائل للشيخ مع الشيخ الألباني، والتي تتعلق بعلوم الحديث، وغيره، وقد ذكر الشيخ أنه أخذ للشيخ الألباني ما يقرب من مئتي سؤال في العلل فقط، كما كانت له مع الشيخ الألباني سؤالات أخرى في علوم الشريعة، وبعض الأسئلة في حكم البرلمانات المعاصرة، والأحزاب.
كما جلس الشيخ في الجامع الأزهر لجماعة من أساتذة العلوم الشرعية المختلفة، وكان منهم:
(الدكتور موسى شاهين لاشين) رحمه الله، والذي كان رئيسًا لقسم الحديث في كلية أصول الدين، جامعة الأزهر آنذاك.
وكان بينهما قصة؛ إذ طلب منه الشيخ أن يَعقد له امتحانًا في علوم الحديث ليلتحق بقسم الحديث في كلية أصول الدين، فاعتذر الدكتور لاشين، معللًا ذلك بأنه على خلاف اللوائح الجامعية، فقال له الشيخ: اعقد لي امتحانًا، فإذا قلّ مستواي عن درجة مُعيد فلا تقبلْني، فتبسم الدكتور لاشين، وأوصاه أن يذهب إلى الجامع الأزهر، ويحضر المجالس العلمية فيه.
والتقى الشيخ بنخبةٍ من أكابر علماء أهل السنة، وحضر مجالس لهم، وتعلَّم منهم، وتتلمذ عليهم، وتأثر بهم في العقيدة، والفقه وأصوله؛ منهم:
(الشيخ عبد العزيز بن باز)، فحضر دروسه بالجامع الكبير، والمسجد الذي كان بجوار بيته بمدينة جدة، (والشيخ محمد بن صالح العثيمين) وحضر دروسه بالمسجد الحرام. (والشيخ عبد الله بن قاعود)، والذي حضر الشيخ عنده، وهو يشرح كتاب (البرهان في أصول الفقه) للإمام الجويني، وكان يقرأ عليه في ذاك الوقت الشيخ صالح آل الشيخ.
(والشيخ عبد الله بن جبرين) ممن تأثر بهم الشيخ، وقد التقى به الشيخ في جمع كبير، ألقى الشيخ ابن جبرين محاضرة، ثم تلاه الشيخ، وألقى بعده محاضرة، فأثنى عليه الشيخ ابن جبرين ثناءًا عاطرًا، حتى استحيى الشيخ من الحضور، وهو يسمع هذا الثناء؛ إذ وصفه الشيخ ابن جبرين (بمُحَدِّث مصر)، رحمهم الله أجمعين.
مؤلفات الحويني ومشاريعه العلمية:
منذ بداية الشيخ في طلب علم الحديث حُبِّب إليه التصنيف، والتأليف، والتحقيق، وتحرير المسائل العلمية، وتتبع أقوال الأئمة، وقد رُزق الشيخُ حُسنَ العبارة والتصنيف، وأفاده في ذلك نشأته الأدبية التي تقدم ذِكرُها، والإقبال على لسان العربِ وأشعارهم وقصصهم وأمثالهم، وقد لاح ذلك حتى في محاضراته ودروسه المتعددة.
وكان من ثمرة هذا الجهد العديد من المشاريع، والمؤلفات، والتي منها ما طُبع، ومنها ما هو مخطوط، ونأتي على ذكر شيء من ذلك، على وجه ضرب المثل لا الحصر:
- فصل الخطاب بنقد المغني عن الحفظ والكتاب، لأبي حفص الموصلي الحنفي.
- الأربعون في ردع المجرم عن سب المسلم، للحافظ ابن حجر.
- الانشراح في آداب النكاح (النكاح: الزواج).
- خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
- النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة.
- كشف المخبوء بثبوت حديث التسمية عند الوضوء.
- نهي الصحبة عن النزول بالركبة.
- البعث، لعبد الله بن أبي داود.
- الأربعون الصغرى، للبيهقي.
- غوث المكدود بتخريج منتقى ابن الجارود.
- بذل الإحسان بتقريب سنن النسائي أبي عبد الرحمن.
- طليعة سمط اللآلى في الرد على الشيخ محمد الغزالي.
- كتاب الصمت وآداب اللسان، لابن أبي الدنيا.
- فضائل فاطمة -رضي الله عنها- لابن شاهين.
- صحيح القصص النبوي.
منهج الحويني العلمي والفكري:
- التخصص في علم الحديث، والاعتماد على التحقيق والتخريج.
- تبنيه منهج المحدثين المتقدمين في التصحيح والتضعيف.
- التأكيد على ضرورة اتباع الكتاب والسنة وفق فهم السلف الصالح.
- اهتمامه بالردود العلمية على المخالفين بأسلوب يعتمد على الحجة والدليل.
تأثيره في عصره وبعده:
يُعتبر الشيخ الحويني مثالًا يحتذى به لكثير من الشباب الذين يسعون للاقتداء بنموذج العلماء المخلصين، يتمتع بتأثير كبير من خلال برامج التعليم الديني التي يقدمها، وهو ما جعله ينال شهرة كبيرة لا سيما في الأوساط الشبابية، كما ساهم في تأسيس عدة مدارس تحفيظ وعلم شرعي، مما عزز من قدرة الشباب على التعمق في الفقه والعقيدة.
ومن تأثيره أيضًا على المجتمع العربي ككل:
- انتشار علمه في العالم الإسلامي من خلال كتبه ومحاضراته.
- تخرج على يديه العديد من طلاب العلم والمحدثين.
- مساهمته في إعادة الاهتمام بعلم الحديث في العالم العربي.
- تأثيره على الشباب السلفي ودعاة المنهج الحديثي.
- توبة العديد من الشباب على يده في جميع بقاع العالم العربي.
المحاضرات والدروس العلمية للحويني:
له مئات الدروس والمحاضرات في علوم الحديث والتفسير والفقه، التي تمتلئ بعلمٍ لا حد له.
(سنضع أشهرها في نهاية المقال)، كما شارك في برامج تلفزيونية وإذاعية متعلقة بالحديث والتفسير والرد على الشبهات، وكان له برنامج على قناة الندى الفضائية وقناة الرحمة.
أفضل أقوال الحويني:
قال الشيخ العديد من الأقوال أو بالأحرى الدرر المنثورة في محاضراته ودروسه، التي لا يختلف عليها مسلمٌ موحد، ومن هذه الدرر:
إن عرض النبي ﷺ أثمن من كل شيء، لو أُخذت أرض المسلمين جميعًا من تحت أرجلهم لكان أهون من أن يُسَب النبي ﷺ وفينا عين تطرف، ينبغي أن يظهر هذا المعنى عند الناس، وأن يوالوا رسول الله ﷺ، وأن يجفوا هؤلاء الذين يكذبون سنته بلا دليل ولا برهان.
ومنها أيضًا:
هناك فرق بين من يشتغل بالحديث ومن يتدين به، وفرق بين من يحب السنة ومن يعمل بها، من يتدين بالحديث ويعمل بالسنة ينبغي أن ينضح عليه الحديث والسنة في كل شأن من شؤونه كبُر أو صغُر.
ومنها قوله في حُسن التربية:
من نضج فهم الوالد: أن يربي ولده على عينه؛ يشركه في اتخاذ القرار، يعلمه ما يجهل، يسدده إذا أخطأ. لن يكون أحد من الناس جميعًا أرحم بولدك منك، وتتمنى له دائمًا أن يكون أفضل منك.
وقوله رحمه الله:
تدعي أنك تحب النبي ﷺ ثم أراك تخالفه، فكيف أصدق دعواك؟ إن الظاهر دليل الباطن، والعمل شاهد على ما في القلب، لو كان قلبك عامرًا بحب النبي ﷺ يستحيل لك مخالفته.
ومما قاله في آخر حياته:
ربنا الأمل فيك لا ينقطع، والرجاء منك لا ينفد، والعطاء منك لا ينعدم، اشف عبدك الحويني شفاءً لا يغادر سقمًا.
أبرز المواقف في حياة الشيخ الحويني:
لقد مرت حياة الشيخ أبي إسحاق الحويني بعدد من المواقف البارزة التي شكلت محطات فارقة في مسيرته الدعوية والعلمية، ولعل من أبرز هذه المواقف:
- مواقفه في الدفاع عن السنة النبوية: كان الشيخ الحويني من المدافعين عن السنة النبوية المطهرة، وكان يرد على من يحاولون التشكيك فيها أو تقليل أهميتها، وقد كانت له محاضرات مشهورة في هذا المجال، بين فيها أهمية الحديث الشريف باعتباره المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم، كما كان يرفض أي محاولة لتضعيف الأحاديث أو إعمال الاجتهادات الشخصية في تفسيرها.
- مواقفه في مواجهة الحركات الفكرية المنحرفة: منذ بداية دخوله في مجال الدعوة، كان للشيخ الحويني مواقف واضحة ضد بعض الحركات الفكرية المنحرفة التي ظهرت في مصر والعالم العربي، مثل جماعات التكفير والهجرة وغيرها من الحركات المتطرفة، وكان دائمًا يؤكد على ضرورة التمسك بمنهج أهل السنة والجماعة في فهم الدين الإسلامي.
- موقفه من الدعوات إلى التقارب بين المذاهب: كان الشيخ أبو إسحاق الحويني واضحًا في مواقفه تجاه الدعوات إلى التقارب بين المذاهب الإسلامية المختلفة، حيث كان يرى أن التقارب ينبغي أن يكون على أسس شرعية وفقًا للكتاب والسنة، وليس على حساب العقيدة الصحيحة. وكان يرفض الفتاوى التي تدعو إلى التنازل عن بعض الثوابت الدينية تحت مسميات التقارب أو الوحدة الإسلامية.
مرض الشيخ الحويني ووفاته:
وكان الشيخ قد أصيب منذ عدة سنوات بمرض السكري، وهو ما تسبب في بتر قدمه، حيث توالت مضاعفات المرض الذي أثر على نظره، وأصيب مؤخرًا بعدة جلطات عانى خلالها من الحديث بشكل طبيعي، وهو ما كان قد أعلنه خلال إحدى الدروس الدينية التي يقوم بها في العاصمة القطرية الدوحة.
عشرات الآلاف من رواد مواقع التواصل الاجتماعي قاموا بنشر صور الشيخ أبي إسحاق الحويني على صفحاتهم، مطالبين بالدعاء له بأن يتم الله شفاءه على خير وأن يرده سالمًا إلى طلابه.
ولكن وافتهُ المنية في مساءِ يوم الاثنين الموافق السابع عشر من مارس لعام ألفين وخمس وعشرين (17-3-2025)، وكان موته حسرة في قلوب العالم العربي أجمع وقلوب المصريين خاصة، لأننا كنا نعتبره أبًا قبل كونه شيخًا، ترك غصةً في قلوبنا، وترك معها ذكراه الطيبة العطرة، التي لن تزول أبدًا من عقل كل مسلم موحد، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
وهنا ينتهي مقالنا عن الشيخ المُحدث: أبي إسحاق الحويني، أسأل الله أن يُفيد وينفع كُل من يطلب علمه، ولا تنسَ الشيخ -رحمه الله- من دعائك- وأسأل الله أن يغفر لنا ويُثيبنا على عملنا.
