أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر المقالات

دورة فن المقالة: البنية، هرم المقالة، وأنواعه.

في مستهلّ هذه الدورة، تناولنا المقالة باعتبارها فنًّا نثريًّا يجمع بين الفكر والأسلوب، فاستعرضنا تعريفها، وتقصّينا أنواعها، وأبحرنا في دورها المحوري في تشكيل الوعي وإيصال الفكرة، كما وقفنا على تطوّرها عبر العصور، واستجلينا الفروق الدقيقة بين تصنيفاتها الأكاديمية، فإن لم تكن قد اطّلعت على هذا الجزء، فيسعدنا أن تقرأه هنا: فن المقالة: أنواعها وأهميتها.

أما في هذا الجزء، سنغوص في بنية المقالة، مستعرضين نموذج "هرم المقالة" بوصفه ركيزةً تنظيميّة، كما سنكشف عن أنواعه تفصيلًا..

دورة فن المقالة - الجزء الثاني

هرم المقالة: تحليل تفصيلي لمفهومه وهيكليته:

كما عرفنا سابقًا، فإن المقالة فنٌّ يقوم على ترتيب الأفكار وصياغتها بأسلوبٍ واضحٍ ومؤثر، ومع ذلك، فإن البنية الأساسية لأي مقالة هي التي تحدد مدى ترابطها وقوتها، ومن بين أهم النماذج التي تنظّم المقال وتمنحه تماسكًا منطقيًّا ذلك الذي نُسميه في المُجتمع الأكاديميّ "هرم المقالة"، وهو منهجٌ يعتمد على تدرّجٍ هرميّ للأفكار، بحيث يبدأ الكاتب بأهم المعلومات وأكثرها جذبًا، ثم يتدرّج نحو التفاصيل التوضيحية والتحليلية.

ويُشاع أن استخدام هرم المقالة يقتصرُ على المقالات الصحفية فقط، وهذا وَهْمٌ، فينبغي أن يستخدمه أي كاتبٍ يريد الوضوح والتأثير، سواءٌ في المقالات الأدبية أو التحليلية أو حتى العلمية، فما هي أركانه الأساسية؟ وكيف يُمكن توظيفه على النحو الأمثل؟


أنواع هرم المقالة:

المقالة بشكلٍ عام لها ثلاثة أهرام، وكل هرمٍ يختلف عن سابقه في الشكل، المضمون، الاستخدام، فهناك الهرم المقلوب، والهرم المعتدل، والهرم التقليدي، وهم تفصيلًا على هذا النحو:

1- الهرم المقلوب (Inverted Pyramid):

الهرمُ المقلوب، يُستخدم بكثرةٍ في المقالات الصحفيَّة، ثمَّ المُحتوى الرقميُّ، والسبب في ذلك أنّ آلية تطبيقه هيّ الأنسب بلا جدالٍ لهذا النوع ولجماهيره، لأن شرطه أن يُقدم المعلومة الأهم أولًا، ثم التفاصيل الأقل أهميَّة تدريجيًّا، أيّ أن يعمل على جذب القارئ منذ الجملة الأولى وإعطائه زبدة المقال سريعًا، وهذا مثاليًا للأخبار والتقارير الصحفية والمحتوى الرقمي: الذي عادةً مُتابعيه يريدون المعلومة بسرعةٍ. 
وسُميَّ بذلك لأنه يسير عكس الترتيب التقليدي للسرد، فيبدأ بالنتيجة أو الفكرة الرئيسية دون أن يهتم بالترتيب والبناء التدريجي للقصة.

مِمّ يتكون الهرم المقلوب؟

ينقسم الهرم المقلوب إلى ثلاثةِ مستويات:
1- المُقدمة "الأهم أولًا": المُقدمة يجب أن تُجيب دائمًا على أهم الأسئلة الرئيسية: (ماذا؟ من؟ أين؟ لماذا؟ كيف؟) ثم يجب أن تُجيب الفقرة الأولى على الأسئلة التي قد تشغل القارئ دون أن يحتاج بشدة إلى قراءة المقال كاملًا.

2- التفاصيل الداعمة "المهم ثانيًا": تتمثل التفاصيل الداعمة في تكملة جسم المقال نفسه، فيُوضع بهذا القسم معلومات إضافية تُضيف وتعزز الفكرة الرئيسية، ثمَّ إضافة التفاصيل الإقناعية التي يتطلب استخدام بعضها في مثل هذه المواقف: بيانات، إحصائيات، تصريحات، تفاصيل وشواهد تاريخية وعلمية.. إلخ.

3- المعلومات الخلفية والتفاصيل الأقل أهمية: وهُنا يدرج الكاتب ويُقدم بقيّة المعلومات في النهاية، وغالبًا ما تكون مُتخصصة للقارئ الذي يرغب في التبحر في الموضوع.

أمثلة على تطبيق الهرم المقلوب:
مثال (1): نموذج لخبر صحفي.
  • المقدمة:
"أعلنت وزارة الصحة صباح  اليوم عن اكتشاف علاج جديد لفيروس نادر قد يغيّر مجرى الطب الحديث."
  • التفاصيل الداعمة:
  1. العلاج خضع لاختبارات سريرية لمدة ثلاث سنوات.
  2. نسبة نجاحه بلغت 90% وفقًا للدراسات.
  3. تصريحات من علماء وأطباء حول أهمية هذا الاكتشاف.

  • المعلومات الخلفية:
  • نبذة عن الفيروس وأعراضه.
  • تاريخ الأبحاث التي أُجريت لمحاولة علاجه.
  • التحديات التي واجهت العلماء في تطوير الدواء.
لماذا يُستخدم الهرم المقلوب؟

يُستخدم الهرم المقلوب لعدة أسباب، منها:
  1. أن يُحسّن من تجربة القارئ على المواقع الإخبارية، فالقارئ يُريد أن يعرف الخبر الأهم سريعًا ويرحل.
  2. يعمل على تحسين السيو (SEO): لذلك يعد استراتيجية قوية وفعالة لكُتاب المقالات الإلكترونية، فيظهر المقال في نتائج البحث الأولى، وذلك لأن المعلومات الأساسية تأتي أولًا.
  3.  مناسب للمحتوى الصحفي والتسويقي: خاصة في الأخبار والمقالات التي تستهدف الجمهور سريع الاطلاع.
 كلمة السيو (SEO) هو اختصار لـ"تحسين محركات البحث"، وهو مجموعة من الأساليب التي تساعد موقعك أو مقالك على الظهور في أول نتائج البحث في جوجل، ويعمل عندما يبحث شخص عن شيء في جوجل، فيقوم المحرك بترتيب النتائج حسب الجودة والأهمية، لذلك فإن السيو يساعد في جعل محتواك مفهومًا لمحركات البحث ومناسبًا لما يبحث عنه الناس.


 

2- الهرم المعتدل (Balanced Pyramid):

أسلوب الهرم المعتدل نُدرك استخدامه من اسمه "المُتزن - المُعتدل"، فإنه يوازن بين الفِكرة الرئيسيَّة المُقدمة في البداية، ثم شرحها تدريجيًّا بمزيد من المعلومات الأساسية والتفاصيل الدعامة، مما يؤدي ذلك لحدوث ما أشبه بالاعتدال في تدفق المعلومات لدى القارئُ، فيحصل على تجربةٍ جيدة دون أن يشعر بانقطاع أو تكرار.

مِما يتكوَّن الهرم المعتدل؟
ينقسم الهرم المعتدل إلى ثلاثةِ مستويات:
1- المُقدمة "الفكرة الأساسية أولًا": على عكس الهرم المقلوب الذي يشترط تقديم المعلومة الأهم أولًا، فمن الشروط الأساسية لكتابة المقالات التي تُناسب الهرم المتوازن، أن يُقدم الفكرة الرئيسية أولًا ويجيب عليها جزئيًا بشكلٍ معتدل، ليُمهد الطريق لباقي المعلومات في محتوى المقال.

2- التفاصيل الداعمة "بأمثلة وأدلة": هو تقريبًا نفس شروط الهرم المقلوب، ولكن يجب أن نتناول المعلومات بالتدريج والترتيب المتوازن، لا أن نقدم الأهم فالمهم.

3- المعلومات الخلفية "توسيع المعرفة من خلال معلومات خلفية":  ويجب أن تتضمن المعلومات الخلفية ومن ضمنهم الخاتمة، أهم جزء في الخبر أو الموضوع تفصيلًا.

الهرم المقلوب يعتمد على المقدمات المباشرة، بينما الهرم المعتدل يعتمد على المقدمة الشفافة.

ويُستخدم الهرم المعتدل غالبًا، في المقالات الإخبارية الطويلة، والمقالات التحليلية، والمقالات التوجيهية، والتعليمية.


 2- الهرم التقليدي (Traditional pyramid):

أسلوب الهرم التقليديّ -عكس الهرم المقلوب- يستخدم بشكلٍ أساسي في المقالات الأدبية والسردية، وتُبنى المقالة بشكل تصاعدي، بدءًا من التفاصيل الأقل أهمية وصولًا إلى المعلومات الأساسية في النهاية.

على عكس الهرم المقلوب الذي يضع المعلومات الأهم أولًا، يعتمد الهرم التقليدي على سرد القصة أو الموضوع بطريقة تسلسلية، مما يُبقي القارئ مشدودًا حتى النهاية.

 مِما يتكون الهرم التقليدي؟
ينقسم الهرم التقليدي إلى أربعة مستويات:

1- المقدمة (الجذب والتحفيز): يعمل الكاتب على جذب القارئ بقصةٍ قصيرة أو مشهدٍ محفِّز (غالبًا غامض) يُمهد به للموضوع الرئيسي للمقال. ولا يُفضَّل في هذه المرحلة الإجابة عن التساؤلات المهمة، وإن قرّاء المقالات الأدبية غالبًا ما يُكملون القراءة حتى النهاية، ما لم ينفروا من الأسلوب أو الطرح.

2- تصاعد الأحداث: يُقدَّم الموضوع تدريجيًا مع تصاعد التشويق، ويُفضَّل أن يستخدم الكاتب الأسلوب السردي، والتتابع الزمني أو المنطقي للأحداث. كما يُتاح له عرض البيانات، والأدلة، والاقتباسات بشكلٍ متدرج لدعم الفكرة الأساسية أو الحكاية المطروحة.

3- الذروة: تُناقَش في هذا المستوى النقطة الأكثر أهمية وإثارة في المقال، بشكلٍ تفصيليٍّ ومُتعمِّق، حيث يبدأ الكاتب في إيضاح فكرته بالكامل، مُمهِّدًا بذلك للحل الرئيسي الذي سيُقدَّم في الخاتمة.

4- الخاتمة: الأمر هنا على ضربين؛ فبعض الكُتَّاب يضعون الحل في جزء الذروة، وهؤلاء غالبًا يُحتَّم عليهم، في الخاتمة، ترك انطباعٍ قويٍّ لدى القارئ، سواءٌ باستنتاجٍ عميق، أو رسالةٍ أخلاقية، أو مفاجأةٍ غير متوقعة. بينما يُفضِّل آخرون عرض الفكرة المحورية أو النتيجة الأهم في نهاية المقال، ولكل كاتبٍ أسلوبه الذي يراه أنسب لمقصده.

والخلاصة: يعتمد الهرم التقليدي على تقديم المعلومات بشكلٍ تصاعدي، حيث يبدأ المقال بتفاصيل أقل أهمية، ثم يتدرج نحو المعلومات الأهم في النهاية، مما يساعد على جذب القارئ عبر التصعيد الدرامي، ويُستخدم هذا النموذج في التحقيقات الصحفية، وتحقيقات الجرائم، والقصص الخبرية، والتقارير الوثائقية التي تحتاج إلى بناءٍ متسلسلٍ للأحداث والمعلومات.

أما الهرم المقلوب، فيعمل بطريقةٍ تنازلية، حيث تُعرض المعلومات الأهم أولًا، ثم تتبعها التفاصيل الأقل أهمية، مما يُمكّن القارئ من الحصول على الفكرة الرئيسية بسرعة، وهذا النموذج مثاليٌّ للأخبار العاجلة، والبيانات الصحفية، والمقالات الخبرية.

بينما الهرم المعتدل يُوازن بين الطريقتين؛ فتُقدَّم القصة بشكلٍ متسلسلٍ، مع عرض المعلومات المهمة في منتصف المقال، مما يجعله مناسبًا للمقالات التحليلية والتقارير الإخبارية المتعمقة، التي تحتاج إلى الجمع بين السرد المنطقي والتفاصيل الجوهرية في الوقت المناسب.

واستخدام أسلوب الهرم في بنية هو شيء أساسي في جميع المقالات تقريبًا، ولكن يكثر استخدامه بالقواعد الحرفيّة دون ارتجال في المقالات الصحفية والإخبارية.

فريق كَوْن للمقالات.

محمد رمضان السيد
محمد رمضان السيد
مُحَمَّدْ رَمَضَانْ، بَاحثٌ، وكَاتِبٌ مَوْسُوعِيٌّ، ومُؤسِّسُ ومُدِير قناة ومَوقِع كَوْن.
تعليقات