أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر المقالات

دورة فن المقالة: تقنيات المقالة، وأهم النصائح.

في مستهلّ هذه الدورة، تناولنا المقالة باعتبارها فنًّا نثريًّا يجمع بين الفكر والأسلوب، فاستعرضنا تعريفها، وتقصّينا أنواعها، وأبحرنا في دورها الجوهري في تشكيل الوعي وإيصال الفكرة، كما وقفنا على تطوّرها عبر العصور، واستجلينا الفروق الدقيقة بين تصنيفاتها الأكاديمية.
وفي المقال الثاني، واصلنا شرح بنية المقالة ومبادئها، وتناولنا مثلث المقالات وأنواعه، وهذا هو الجزء الثالث والأخير من دورة فن المقالة، وقد اختتمناها قبيل العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك.
لقراءة الجزء الأول: دورة فن المقالة: تعريف المقالة، أهميتها، وأنواعها.
لقراءة الجزء الثاني: دورة فن المقالة: البنية، هرم المقالة، وأنواعه.

دورة فن المقالة: تقنيات المقالة، وأهم النصائح.

أولًا: الأساليب والتقنيات الأكاديمية لكتابة المقالة.

إن الأساليب والتقنيات المهنية والفكرية للكتابة، بشكلٍ عام، لا حدّ لها؛ فهي غير متناهية وقابلة للابتكار والتطوير في أي وقت، ولمّا احتار المختصون والخبراء في تحديد الإطار الزمني الذي يمكن أن تُحصر فيه هذه الأساليب والتقنيات، لجأوا إلى دراسات موسّعة وتدريس ما توصّلوا إليه، وصنّفت الجمعية العلمية والفكرية والأكاديمية عدة أساليب، نذكر منها ما يفيد سياقنا، وما وجدته جديرًا بالفهم والذكر، لا سيّما أنني ركّزت على الأكثر استخدامًا في الأدب العربي.

أهم التقنيات والأساليب في فن المقالة:

1- تقنيَّة الدائرة السرديَّة: تبدأ القصة أو المقالة من نقطة معيّنة، ثم تتطوّر الأحداث لتعود إلى نقطة البداية (بشكلٍ دائري).
تُستخدم هذه التقنية في المقالات السردية والقصصية، ونجدها مستعملة منذ زمن الحكايات القديمة، مثل ألف ليلة وليلة، التي ورد فيها أكثر من أسلوبٍ سردي.

2- الأسلوب الحلقي: يبدأ الكاتب بطرح فكرة معيّنة، ثم يبتعد عنها ليناقش موضوعات أخرى، ثم يعود فجأة إلى الفكرة الأولى في النهاية، ليخلق ترابطًا قويًّا في مقاله.
يُستخدم هذا الأسلوب غالبًا في الأدب، والخطابة، والمقالات الفلسفيَّة، وقد ورد في الأدب الكلاسيكي، مثل ألف ليلة وليلة، وفي بعض خطب الجاحظ.

3- الترتيب الزمني: تعتمد هذه التقنية على سرد المعلومات أو الأحداث وفق تسلسل زمني (من الأقدم إلى الأحدث أو العكس)،وهي تقنية شائعة جدًا وأساسية في المقالات التاريخية والسرد القصصي الذي يعتمد على "العامل الزمني"، وكذلك في التقارير البحثية. وقد اعتمدها المؤرخون العرب، مثل الطبري، وابن خلدون، وابن كثير، والذهبي، وغيرهم.

4- الترتيب السببي: يُرتّب المحتوى وفق مبدأ "السبب والنتيجة"، إمّا بعرض السبب أولًا ثم النتيجة، أو العكس، ويُستخدم هذا الترتيب على نطاق واسع في المقالات الأكاديمية الغربية، خاصة في علوم الاجتماع والاقتصاد، أما في الفكر العربي، فقد وظّفه الفلاسفة، مثل ابن رشد والفارابي، حيث اعتمدوا على السببيَّة في التحليل والاستدلال.

5- الترتيب المنطقي أو الهيكلي: يتم فيه تنظيم المعلومات وفق نسق داخلي محدّد، مثل تقسيم المفاهيم إلى مراحل أو عناصر مترابطة.
يُستخدم هذا الأسلوب في المقالات العلمية، والمراجعات النقدية، والمقالات القانونية، ويظهر هذا النمط في التراث العربي، مثل كتب الجاحظ، التي قسّم فيها أفكاره إلى أقسام مترابطة منطقيًّا.

6- الترتيب الهرمي: يشبه "الهرم المقلوب"، لكنه يقدّم الأفكار العامة أولًا، ثم يتدرّج نحو التفاصيل شيئًا فشيئًا، مما يجعل المعنى واضحًا ومتسلسلًا في ذهن القارئ، وكان هذا النهج شائعًا عند العلماء في كتب الفقه والتفسير، حيث يذكرون القواعد الكلية أولًا، ثم يشرحون الجزئيات المرتبطة بها.

7- الترتيب الجدلي: يقوم على بناء الفكرة عبر ثلاث مراحل مترابطة: تُطرح الأطروحة أولًا، ثم يُعارَضُها النقيض بحجة مضادة، ليُستخلص من التفاعل بينهما تركيبٌ جديد أكثر شمولًا، وقد عُرف هذا النهج في الفكر العربي عند أهل الكلام، فاستخدمه المعتزلة في مناقشاتهم العقدية، حيث جعلوا العقل ميزانًا للنصوص، يُقرّبون ما وافقها ويؤولون ما خالفها، إلا أن الجدل عندهم، رغم كونه أداةً للإقناع، أفضى أحيانًا إلى تكلف الاستدلال وتفتيت المعاني.
أما أكاديميًا، فقد تبلورت هذه المنهجية مع الفيلسوف هيغل، الذي جعلها أساسًا لفهم التطور الفكري والتاريخي، فصار الترتيب الجدلي مستخدمًا في الفلسفة وعلم الاجتماع لدراسة الظواهر وتحليلها بعمق ومنهجية صارمة، ولكن دون تحميل العقول ما لا تحتمله، أو جعلها حَكمًا على ما فوقها.

8- النموذج الشعاعي: يعتمد هذا النموذج على فكرة مركزية تتشعّب منها قضايا مترابطة، دون أن تنفصل عنها، فاستخدمه الفقهاء في بناء الأحكام الفقهية، حيث تتفرّع المسائل من أصل واحد، كما يُوظَّف أكاديميًا في علم النفس الإدراكي لفهم ترابط الأفكار، وفي التحليل النصي لكشف العلاقات بين أجزاء الخطاب.

إنفوجرافي فن المقالة - المستوى الأخير.
إنفوجرافي فن المقالة - المستوى الأخير.

ثانيًا: أفضل النصائح على لسان روَّاد المقالة:

مرَّ فن المقالة بالعديد من المراحل، وخُطَّ بأقلامٍ من ذهبٍ، بل بأثمن منها! وكل كاتبٍ ترك وراءه وصيّته، فبعدما قضوا عقودًا في التحرير والكتابة، اكتسبوا خبرةً مهولةً في مجالاتهم، ولم يبخلوا بترك نصائحهم الذهبية، ولعل أشهر هذه النصائح -التي لا حصر لها- عشرون نصيحة أفضّلها جدًا، وأعتبرها من القواعد الثابتة، وهي:

1- "لا تستخدم كلمة طويلة إذا كان هناك كلمة قصيرة تؤدي نفس الغرض."

2- "اقتل أعز جُملك."
(يقصد حذف أي عبارة تعيق تدفق النص حتى لو كانت جميلة).

3- "أعد الكتابة، ثم أعد الكتابة مرة أخرى، ثم أعدها للمرة الثالثة."

4- "الوضوح هو المفتاح الأول للكتابة الجيدة."

5- "اكتب جملة قصيرة أولًا، ثم قم بالبناء عليها."

6- "لا تبدأ بطرح أسئلة لا تستطيع الإجابة عليها."
(يقصد لا تكتب عن شيءٍ لا علم لك به).

7- "الكتابة الجيدة هي الكتابة البسيطة والواضحة."

8- "تجنب استخدام المبني للمجهول إلا إذا كان ضروريًا."

9- "اجعل أول جملة تثير الفضول."

10- "الكتابة الجيدة مثل النحت، تحتاج إلى إزالة الزوائد."

11- "كن دقيقًا في استخدام الكلمات، فكل كلمة تحمل وزنًا."

12- "تجنب استخدام الصفات الزائدة، فالفعل القوي يغنيك عنها."

13- "اقرأ ما كتبته بصوت عالٍ، ستكتشف الأخطاء فورًا."

14- "الكتابة ليست عنك، بل عن القارئ."

15- "اكتب كما لو كنت تتحدث إلى صديق ذكي."

16- "إذا لم تدهشك جملة كتبتها، فلن تدهش القارئ."

17- "اجعل الجملة الأخيرة قوية، لأنها ما سيبقى في ذهن القارئ."

18- "لا تخبر، بل أظهر."

19- "اكتب بوضوح، فالغموض عدو الفهم."

20- "لا تبدأ المقال بجملة ضعيفة، سيغادر القارئ."

جديرٌ بالذكر أن هذه القواعد والنصائح ليست من المُقدّسات، وإنما هي خلاصة تجارب طويلة في عالم الكتابة، ولهذا أعتبرها مفاتيح تفتح أبواب الكتابة الفعّالة، ومن يستوعبها حق الاستيعاب، سيتمكّن من صياغة مقالٍ سليمٍ وقويم، خالٍ من الثغرات والأساليب المُنفّرة.


ثالثًا: أخطر 30 خطأ قاتل يجب تجنبه في كتابة المقالات:

بعض الأخطاء، إن ظهرت في المقال، قد تُدمّره تمامًا، فتجعله غير قابل للقراءة، ولا يلفت الانتباه للتقييم، ولا يشجّع على إبداء الرأي، ولا يحظى بأي اهتمام حقيقي... إلا من صديقك، وثلاثة آخرين!

  1. كتابة مقدمة ضعيفة أو مملة: إذا لم تجذب القارئ من البداية، فسيغادر فورًا، البداية القوية هي مفتاح النجاح.
  2. عدم وضوح الهدف من المقال: إذا لم تكن تعرف الغاية من مقالك، فلن يعرفها القارئ، حدد رسالتك قبل أن تبدأ الكتابة.
  3. استخدام عنوان مضلل أو غير جذاب: العنوان يجب أن يكون صادقًا وجاذبًا في الوقت نفسه، لا تخدع القارئ بعناوين كاذبة. 
  4. الحشو والتكرار غير الضروري: الكتابة الفعالة تختصر المعنى دون إطالة، كل كلمة يجب أن تخدم الغرض من المقال.
  5. عدم الاهتمام بالبنية والتنظيم: المقال غير المنظم يجعل القارئ يضيع بين الأفكار، استخدم تقسيمات واضحة.
  6. إهمال التدقيق اللغوي والإملائي: الأخطاء النحوية والإملائية تقلل من احترافية المقال، وتجعل القارئ يفقد الثقة.
  7. الكتابة بأسلوب رسمي جدًا أو معقد: إذا كان أسلوبك متكلفًا، فسيشعر القارئ بالملل، وتجنب استخدام أسلوب الكتب الدراسية.
  8. عدم استخدام الأدلة والبراهين: المقالات المبنية على آراء فقط دون أدلة تفقد مصداقيتها، استخدم مصادر موثوقة.
  9. استخدام علامات التعجب بإفراط: علامات التعجب تضعف الفكرة وتجعل القراءة غير مريحة، لِمَ يتعجب الكاتب، هذه ليست مهمته.
  10. البدء بمعلومات ثانوية وتأخير النقطة الأساسية: لذلك الهرم المقلوب في الصحافة هو القاعدة: ضع المعلومات الأهم أولًا، وطبق على البقية.
  11. ضعف الترابط بين الفقرات (مشكلة شائعة): يجب أن يكون هناك منطق في الانتقال من فكرة إلى أخرى، وإلا سيشعر القارئ بالتشتيت.
  12.  الاعتماد على الاقتباسات بشكل مفرط: الاقتباسات تدعم المقال، لكن لا تجعلها تحل محل أفكارك الأصلية.
  13. إهمال تحسين المقال لمحركات البحث (SEO): إذا كنت تكتب على الإنترنت، فتجاهل السيو يعني أن مقالك لن يصل للجمهور المستهدف.
  14. استخدام المبني للمجهول بشكل زائد: المبني للمعلوم أكثر وضوحًا وأقوى تأثيرًا، فلا تقل: "تم اكتشاف المشكلة"، بل قل: "اكتشف الباحثون المشكلة".
  15. إنهاء المقال بشكل ضعيف أو غامض: الخاتمة يجب أن تكون قوية وتترك أثرًا في القارئ، لا مجرد جملة ختامية تقليدية.
  16. عدم مراعاة الجمهور المستهدف: اكتب بلغة تناسب من تخاطبهم، فلا تكتب بلغة أكاديمية إذا كان الجمهور عامًّا (ومن فضلك لا تكتب بلغة أكاديمية إذا كنت أنت نفسك من العامة، ومن فضلك لا تكتب بلغة أكاديمية إن لم تكن تعلم أسلوب اللغة الأكاديمية. 
  17. استخدام الأساليب الركيكة: لا تكتب "لنقرأ سويًا عزيزي القارئ"، "والآن يا عزيزي"، و"فما رأيك إن تحدثنا بشكلٍ مفصل؟" كل تلك أساليب ركيكة.
  18. الإفراط في استخدام الأسئلة الاستفهامي: الأسئلة قد تكون أداة جيدة، لكن كثرتها تجعل المقال يبدو غير حاسم.
  19. عدم وضع فواصل مرئية بين الفقرات: نصوص بلا مسافات وفواصل تجعل القراءة مرهقة وغير مريحة للعين.
  20. تجاهل إضافة صور أو وسائط مساعدة: المقال الجاف بدون صور أو عناصر مرئية أقل جذبًا للقراء ( ليس في كل الأحوال).
  21. عدم وجود صوت أو شخصية مميزة في الكتابة: الكتابة الجيدة تحمل طابعًا شخصيًّا، فلا تكن مجرد ناقل معلومات بلا أسلوب، وهذه من أكثر وأشد المشكلات انتشارًا.
  22. المبالغة في استخدام الصفات والتشبيهات: التشبيهات المفرطة تجعل النص متكلفًا وضعيفًا، استخدمها بحذر.
  23. الاعتماد على مصادر غير موثوقة: المعلومات الخاطئة أو المشكوك في صحتها تفقد المقال مصداقيته.
  24. التكرار غير الضروري للكلمات المفتاحية (Keyword Stuffing): إذا كنت تكتب للسيو، فلا تحشو المقال بالكلمات المفتاحية بشكل مبالغ فيه، فهذا يضر بترتيبه في البحث.
  25. إهمال ذكر مصادر المعلومات: إذا كنت تستشهد بإحصائيات أو دراسات، فاذكر المصدر لتجنب فقدان المصداقية.
  26. استخدام لغة غير حيوية أو مملة: الكتابة الجيدة تحتاج إلى إيقاع وأسلوب شيق يحافظ على انتباه القارئ.
  27. عدم اختبار المقال بقراءته بصوت عالٍ: قراءة المقال بصوت عالٍ تساعدك في اكتشاف الأخطاء وتحسين التدفق.
  28. تجاهل مراجعة المقال بعد الانتهاء:دائمًا راجع المقال بعد كتابته بيوم أو ساعتين على الأقل لتكتشف الأخطاء أو التحسينات الممكنة.
  29. استخدام أسلوب متناقض داخل المقال: لا تناقض نفسك في الفقرات، كل مقال يجب أن يكون متماسكًا منطقيًّا.
  30. عدم الترويج للمقال بعد نشره: حتى لو كان مقالك رائعًا، إذا لم تروج له على المنصات المناسبة، فلن يصل إلى الجمهور الذي يستحق قراءته.

نهاية الدورة:
عشرون يومًا مضت، واجهتُ خلالها الكثير من الصعوبات؛ فتارةً أنام في الثامنة صباحًا، وتارةً أخرى قبيل الظهر بساعة.. سجلتُ 142 تسجيلًا صوتيًّا في دورة: "تاريخ الذكاء الاصطناعي"، لأجل اثني عشر تسجيلًا فقط! قضيتُ ليالي، وساعاتٍ لا تُحصى، في التخطيط والتحضير لبقية الدورات، لكن القلب يبتغي، والعقل يعجز! قضينا معًا عشرين يومًا، نشارككم الأجوبة، نستقبل أسئلتكم، نرحب بالنقد، ننظّم المجموعات، ونرجو من الله -عز وجل- أن يثيبنا على ما بذلناه من جهد.
أما أكثر من اجتهد واستحق الثناء، فكانت المراجعة نانسي محسن، التي لن أنسى جهودها ثلاثة أيامٍ بلياليها في التعديلات الصوتية، ثم أخص بالشكر من تحمل مسؤولية الإشراف والتواصل مع المنضمين ومتابعة أسئلتهم: أسماء كمال، ومن تابع أسئلتكم أولًا بأول ليُردها إليكم مُجابة بعناية ودقة منة الله نادر، وريم نديم.

وهكذا، نختم آخر دورة نقدمها في رمضان، سائلين الله -عز وجل- أن تكون قد حققت هدفها، وأفادتكم جميعًا بلا استثناء، ونترقب نتائج اختباركم وإعلان المقبولين للانضمام إلى فريقنا المتواضع: "فريق كَون للمقالات".
كتبه: محمد رمضان السيد، في التاسع عشر من شهر مارس لعام ألفين وخمسة وعشرين، الساعة السابعة صباحًا.

فريق كَون للمقالات - Con Articles Team
فريق كَون للمقالات - Con Articles Team

محمد رمضان السيد
محمد رمضان السيد
مُحَمَّدْ رَمَضَانْ، بَاحثٌ، وكَاتِبٌ مَوْسُوعِيٌّ، ومُؤسِّسُ ومُدِير قناة ومَوقِع كَوْن.
تعليقات