الراوي هو فنان الحكاية، والصحفي هو صانع الخبر، وكاتب المقالات مفكر يختصر جل أمور العالم بكلمات مصوغة بأسلوب نثري مرتب ومنظم، يصوغ الحجة، ويرتب المعاني ترتيبًا يشد القارئ حتى يبلغ الغاية، فهو صانع الرأي، وناقش المسائل، يزن كل لفظ بدقة، فلا يزيد حرفًا يخل بالإيجاز، ولا ينقص عبارة تضر بالبيان.
إن الكتابة بشكل عام -في رأيي- يجب أن لا تقتصر على الموهبة فقط، بل يجب على الكاتب أن يوازن بين كل من الموهبة المكتسبة والتعلم بالتجربة والدراسة، فمن الغريب وجود كاتب بموهبة فذة دون مهارة التعلم والاستزادة من التجارب، والأغرب بالطبع وجود كاتب يريد تعلم الكتابة وهو لا يملك الموهبة، لأن الموهبة هي الشغف، وإن كنت لا تملك شغفًا تجاه شيء، فأنت لا تملك الشيء في الأصل.
الكتابة ليست حكرًا على أحد، ولكن لكل نوع وأدب قلمه، وهذا أمر مسلم به، إلا نوعًا واحدًا من الكتابة أراه مباحًا ومتاحًا للجميع، بل إنه يجب عليك تعلمه حتى وإن لم تكن تملك الموهبة الفذة، وهذا النوع هو أدب المقالة، فمن حيث المبدأ، كتابة المقالات أمر متاح للجميع، ولكن هذه الحرية ليست مطلقة، وإنما تحكمها عدة مبادئ وقواعد، فكلما ازداد إقبال الناس على كتابة المقالات، ازداد الفكر ونما، واغتنت المعارف وتوثقت، واشتد عود البيان واستحكم، وانفسحت سبل التعبير عن الرأي وسمت، وازدهرت مدارك العقول واتسعت.
ولهذا أكتب لكم في مسار، مختصرًا خلاصة ما تعلَّمته بفضل الله عز وجل بشيء من التفصيل.
بعدما انتهينا من دورة تاريخ الذكاء الاصطناعي،نبدأ الآن دورة: فن المقالة: المُقدمة من موقع كون للمقالات، وندرس بها بالتفصيلِ عدة محاور هُم مفتاح المبتدئ في هذا النوع من الفن.
المحور الأوّل: ماهية المقالة وأهميتها (شرح نظري مُهم):
وأكثر تعريفٍ شاملٍ وجامعٍ للمقالة: فنٌّ "نثريٌّ أدبيٌّ" أو "علميٌّ" يُعنى بعرض فكرةٍ أو معالجةِ قضيةٍ أو تحليلِ ظاهرةٍ بأسلوبٍ يجمع بين الإقناع والإمتاع، ضمن بناءٍ منطقيٍّ متماسكٍ، وأسلوبٍ مرنٍ متزنٍ، يُناسب موضوعها والجمهور المخاطب.
وتُعدُّ المقالة من أيسر الفنون الأدبية تناولًا، وأشدّها تأثيرًا وانتشارًا، فتتيح للكاتب التعبير عن أفكاره وآرائه بحريةٍ واسترسالٍ، مع التزامِ الاختصارِ والتركيزِ والوضوح، متوسلًا بالحجةِ والعاطفةِ معًا، متوسِّطًا بين الإيجازِ المُخِلّ والإطنابِ المُملّ.
1- فن "نثري أدبي": إنْ دققت جيدًا تلاحظ أن عنوان المقال هو "فن المقالة" وليس "أدب المقالة"، ذلك لأن الأدبَ جُزءٌ مُتفرِّعٌ من الفنّ، والفنُّ مفهومٌ واسعٌ يشمل كلَّ أشكال الإبداع الإنساني التي تُعبِّر عن الجمال والمعنى، سواءٌ أكان ذلك بالكلمة، أو بالصورة، أو بالصوت، أو بالحركة، ومنه الفنونُ التشكيليةُ كالرسمِ والنحتِ، والفنونُ الأدائيةُ كالمسرحِ والموسيقى والرقص، والفنونُ السمعيةُ والبصريةُ كالسينما والتصوير، والفنونُ اللُّغويةُ كالأدب، وغيرها.
فهو -الأدب- أحدُ فروعِ الفنِّ، ويُعنى بالتعبير عن التجربة الإنسانية من خلال اللغة، شعرًا ونثرًا، بأساليبَ تتسم بالجمالِ والتأثير، لذلك يُعتبر الأدبُ فنًّا لغويًّا بالدرجة الأولى، بينما قد تعتمد الفنونُ الأخرى على الألوانِ أو الأصواتِ أو الأشكال.
الأدبُ جزءٌ من الفنِّ، وليس العكس.
وعلى هذا يتضح لنا أنَّ المقالةَ فنٌّ نستخدم فيه النثرَ واللُّغةَ بشكلٍ أساسيٍّ، مما يجعلها فنًّا أدبيًّا، أي أن المقالةَ فنٌّ رئيسيٌّ قائمٌ بذاته مثل الرسمِ والنحتِ، وفي الوقت نفسه تُعتبر جزءًا أدبيًّا، لأنها تستخدم الوسائلَ اللُّغوية، هذا من حيث الأسلوب.
والمقالةُ متمددةٌ ومتنوعةٌ بحجمٍ أكبرَ من فنِّ الأدب، وفي الوقت نفسه تُعدُّ جزءًا من الأدب، مستقلًّا عن باقي أنواع الأدب، فهيَ مثلًا أوسعُ وأعمُّ من الروايةِ من حيث الامتدادِ والتنوّع، لكنها ليست "أصلًا مستقلًّا عن الأدب"، فلا يُشترط أن تكون المقالةُ أدبيةً، فقد تأتي أدبيةً، أو علميةً، أو نقديةً، أو تفسيريةً، أو فلسفيةً، أو سياسيةً، أو تاريخيةً، أو ساخرةً، أو صحفيةً، من حيث الطرح، على عكس الروايةِ فهي محصورةٌ في السردِ والحكيِ والتخييل، حتى وإن تناولت موضوعاتٍ فلسفيةً أو سياسيةً، فإنها تفعل ذلك عبر السرد.
ليس كلُّ فكرٍ أو فلسفةٍ أو علمٍ يُعدُّ أدبًا، لكنَّ الأدبَ قد يحتوي على الفكرِ والفلسفةِ والعلم.
ولكي يتضح الأمر أكثر، نقول أن: أنَّ المقالةَ فنٌّ، ولأنه يُشترط أن يكون السردُ نثريًّا، دخلت في إطار الأدب من حيث السرد، أما موضوعًا فهي لها علاقةٌ بكل شيء، مما يجعلها -في نظري- أشهرَ الفنونِ وأكثرَها تنوُّعًا وانتشارًا عن باقي الفنون.
2- يُعنى بعرض فكرةٍ أو معالجةِ قضيةٍ أو تحليلِ ظاهرةٍ: المقالُ يعرض فِكرةً، ويعالج قضيةً، ويحلل ظاهرةً، أي: فكرةً واحدةً أو قضيةً منفردةً، فمن المُخِلِّ بقواعد المقال أن يعرض الكاتبُ أكثرَ من فكرةٍ، أو يتحدثَ في عدةِ قضايا، أو يحللَ عدةَ ظواهر، هذا لا يصحُّ كلُّه، فالأصلُ: هو مناقشةُ المقالةِ لموضوعٍ واحدٍ فقط، لا عدةِ مواضيعَ في مقالةٍ واحدةٍ كما نرى مؤخرًا.
3- أسلوبٍ يجمع بين الإقناع والإمتاع: عندما تكتب مقالةً عليك أن تدرسَ جيدًا أساليبَ الإقناعِ والإمتاع، فبدونهما أنت لا تكتبُ مقالًا وإنما خاطرةً أو نصًّا أقصى الأماني المرجوَّةِ منه أن يصلَ لعشرات الأشخاصِ على مواقعِ التواصل، دائمًا لا بدَّ للكاتبِ أن يُجيدَ توظيفَ أساليبَ منطقيةٍ وعاطفيةٍ وجماليةٍ تجعلُ القارئَ مستمتعًا ومستجيبًا للفكرة.
تتمثل أساليبُ الإقناعِ في استهداف (العقلِ والمنطقِ): تقديمُ حججٍ قويةٍ وأدلةٍ واضحةٍ تدعم الفكرةَ، سواءٌ أكانت حقائقَ علميةً، إحصائياتٍ، أو استشهاداتٍ فلسفيةٍ وأدبيةٍ، أو أن نستخدمَ الاستنتاجاتِ المنطقيةَ فيتبعَ كلُّ جزءٍ من المقالةِ الآخرَ بشكلٍ مترابطٍ -وهي مشكلةٌ عصيةٌ على أكثرِ الكتّابِ، حيث لا يجيدون فنيةَ الانتقالِ من فقرةٍ إلى أخرى بشكلٍ مترابطٍ- ومن المهمِّ مُراعاةُ الاستشهادِ بالمصادرِ الموثوقة.
نصيحة: قديمًا كان جميعُ الكُتَّابِ يستخدمون أسئلةً بلاغيةً تدفع القارئَ للتفكيرِ: "ألم تسألْ نفسَك يومًا لماذا؟"، "ماذا لو كان الأمرُ مختلفًا؟"، لا أُرشحُ استخدامها في حقبتِنا الحالية، فما كان يومًا ذروةَ الفصاحةِ بات الآن مثلَ أزياءِ القرنِ الماضي، نستلطفُه في الأفلامِ الوثائقيةِ، لكنَّنا لا نجرؤُ على ارتدائِه في العلن.
هناك تقنيةٌ كتابيةٌ يستخدمها الكاتبُ الذكيُّ دائمًا، وهي ربطُ فقرتين بفكرتين، مثل: "كما أنَّ الجسدَ يحتاجُ إلى غذاءٍ صحيٍّ، يحتاجُ العقلُ إلى أفكارٍ نقيةٍ لا تُسمِّمُ وعْيَه".
أما عن أساليبِ الإمتاعِ فلا حصرَ لها، وكُلُّها مُتمثلةٌ في استهداف (العاطفةِ والخيالِ) في آنٍ واحدٍ، فمثلًا الجمعُ بين الأسلوبِ الساخرِ والمرح، وفي الوقتِ نفسه يناقشُ مسألةً عميقةً، أو أن يستخدمَ السردَ القصصيَّ في بدايةِ مقالتهِ بقصةٍ قصيرةٍ أو مشهدٍ دراميٍّ يُثيرُ الفضولَ (وهذا الأسلوبُ ليس صعبًا، ولكن إتقانَهُ في غايةِ الصعوبة، فلا تحاولْ أن تستخدمَهُ دون أن تتأكدَ من أنَّك موهوبٌ به).
4- أسلوبٍ مرنٍ متزن، يُناسبُ الموضوعَ والجمهورَ المخاطب: كما أسلفْنا في تعريفِنا بفنِّ المقالِ أنَّ الأسلوبَ يجبُ أن يكونَ مرنًا ومتزنًا، وهذا لا يكفي، بل الأهمُّ من ذلك أن يناسبَ الأسلوبُ الموضوعَ والجمهورَ المخاطبَ، فلا تكتبْ بسردٍ قصصيٍّ في مقالٍ سياسيٍّ أو خبرٍ حصريٍّ، لأنَّ القارئَ غالبًا يريدُ أن يعرفَ معلومةً بعينِها سريعًا ويغادر، أو أن تتحدثَ بالأسلوبِ الساخرِ في مقالٍ دينيٍّ! كلُّ هذا لا يصحُّ، فالأسلوب غير متناسبٌ مع الموضوعِ، وهذا يقتضي بالضرورةِ عدمَ مناسبتهِ مع الجمهور.
المحور الثاني: أنواع المقالات واستخدامتها:
فالمقال الإخباري ينقل، والتحليلي يفسر، والإقناعي يؤثر، والأدبي يُمتع، ويُرشد، ولكل منها استخداماته في المجالات المختلفة، وفق حاجة القارئ وهدف الكاتب، وفي هذا المحور، سنستعرض أبرز أنواع المقالات، وخصائص كل نوع، وأهم مجالات استخدامه.
تصنيف المقالات حسب الغاية.
ما هدف المقال؟ (إخباري، تحليلي، إقناعي، أدبي…)
التصنيف من حيث الغاية أو الهدف المرجو منه يُعرف أكاديميًّا بأنه "المقال المبني على غرضٍ"، ويستخدم في تحليل الكتابة وفق الغاية النهائية التي يسعى إليها الكاتب، ويتفرع هذا التصنيف إلى أنواعٍ كثيرة، وهي:
1. المقال الإخباريُّ - News article:
غاية هذا النوع من المقالات أن يمدّ القارئ بالحقائق والبيانات المستجدة على صورتها المجردة، فلا يخوض في تفسيرها، ولا يغوص في تحليلها، بل يكتفي بعرضها كما هي، ليظل المتلقي على دراية دائمة بما يستجد من أمور، دون أن يثقل ذهنه بالتفصيلات، ويتسم هذا الطرح دائمًا بالموضوعية المطلقة، فيخلو من الآراء الشخصية والانفعالات العاطفية، لا يميل إلى ترجيح، ولا ينحاز إلى موقف.
- المقالات الصحفية الإخبارية التي ترصد الوقائع والأحداث الجارية دون تعليق.
- المقالات العلمية التي تعرض الاكتشافات الحديثة دون تعمق في تفسيرها.
- المقالات الموسوعية التي تقدم شرحًا واضحًا للموضوعات دون إبداء رأي أو استنتاج.
2. المقال التحليليُّ (تفسير المعلومات) - Analytical article:
هدف هذا اللون من المقالات أن يتجاوز مفهوم عرض المعلومات فقط، فيخوض في تحليلها وتفسيرها، ليكتشف ما وراءها من علاقات وأبعاد، فلا يكتفي الكاتب بنقل الوقائع، وإنما يسعى إلى الربط بينها، وبيان دلالاتها، ليستعين بها القارئ على فهم مجريات الأمور واستيعاب تداخلاته، ويغلب على هذا النوع من الكتابة: طابع الموضوعية، غير أنّه قد ينطوي على استنتاجات قائمة على الاستدلال المنطقي والتفسير العلمي أيضًا.
من أمثلته:
- المقالات السياسية التي تستعرض خلفيات القرارات الحكومية، وتبحث في آثارها وتداعياتها.
- المقالات الاقتصادية التي تفسر ديناميات السوق، وتكشف أسباب التضخم وتقلبات الأسعار.
- المقالات العلمية التي تتناول الظواهر الطبيعية، وتضعها في إطار النظريات المفسرة لها.
3. المقال الإقناعيُّ - Persuasive article:
غرض هذا النوع من المقالات التأثير على آراء القارئ وإقناعه بوجهة نظر معيَّنة، ويبذل الكاتبُ جهدًا في تقديم حجج وبراهين تدعم موقفه تجاه قضية مُحددة، وطبيعة طرح هذا النوع تعتمد على المنطق والأدلة، مع الأخذ في الاعتبار أن الكاتب ليس محايدًا.
ومن أمثلته:
- المقالات السياسية التي تروج لأيديولوجيا معينة.
- المقالات الفلسفية التي تدافع عن مذهب فكري محدد.
- المقالات القانونية التي تحاجج لصالح تشريع معين.
4. المقال الأدبيُّ - Literary article:
هذا الضرب من المقالات غايته أن يُحلِّق بالقارئ بالمعنى الحرفي، فلا يقتصر على نقل المعاني فقط، بل يُسربلها بثوبٍ من البيان، تُزهر الألفاظ على ألسنة الكُتّاب، ولا يقصد به صاحبه تقريرًا ولا تعليمًا (من حيث الأسلوب)، وإنما يُنشئه إنشاءً، فيُشيّد بنيانه على المشاعر والتجربة الذاتية، ويبعث فيه من روحهِ، فيكوِّن نصًّا سليمًا، مُفعمًا بالإحساس، بعيدًا عن الجفاف العلمي، قريبًا من القلب والوجدان، ولنا مثال في مقالات مصطفى لطفي المنفلوطي، رحمه الله.
ومن أمثلته:
- المقال التأملي: يرصد تأملات الكاتب في معاني الوجود وأسرار الحياة (من منظوره).
- المقال النقدي الأدبي: يُفتّش في بطون الكتب، ويستخرج ما خفي من جمالها.
- المقال السردي الذاتي: يروي القصص بروح الكاتب، فلا تدري غالبًا أهو مقال أم خواطر.
المقال السردي الذاتي له قواعده وطرقه وأساليبه، وكذلك غرضٌ يُكتب به، وأرى أكثرية المبتدئين يكتبونه استسهالًا، فيجمعون مجموعة خواطر، ثم يطلقون عليها مقالًا ذاتيًّا!
وللمقال الأدبي سماتٌ كثيرة ومتجددة، إلا أنها غالبًا تنحصر تحت أربع سمات:
- اتكاؤه على التصوير البديع واللغة الجزلة.
- تحرره من الأسلوب التقريري الجاف.
- امتزاجه بالعاطفة الصادقة والتجربة الشخصية.
- عنايته بالإيقاع اللغوي، فتشعر أن الكلمات مثل الأنغام تتهادى في أذن السامع.
5. المقال الإجرائيُّ أو التوجيهيُّ - Procedural or Directive Article
- المقالات التعليمية التي تبسط كيفية استخدام الأدوات والبرامج.
- المقالات الطبية التي تمد القارئ بنصائح صحية وعلاجية.
- المقالات الإدارية التي تُرشد إلى سبل تحسين الإنتاجية وتنظيم العمل.
- وضوح العبارة وسلاسة الأسلوب.
- تقسيم المعلومات إلى خطوات متسلسلة يسهل اتباعها.
- التحرر من الإطالة والتكرار، والاقتصار على النافع من القول.
تصنيف المقالات بناءً على النوع البلاغي (Classification by Rhetorical Mode)
والتصنيف حسب النوع البلاغي يعتمد كُليًّا على الأسلوب التعبيري المستخدم في المقال، أي الطريقة التي تُقدَّم بها المعلومات أو الأفكار إلى القارئ، وهذا التصنيف يستند إلى الفنون البلاغية المعروفة في الدراسات اللغوية (السرد، الوصف، الحجاج، التفسير، التحليل، المقارنة، التقويم...)، لذلك يُعتبر من أهم التصنيفات في دراساتِ البلاغة، تحليل الخطاب، والكتابة الأكاديمية.
تنقسم المقالات بلاغيًا إلى خمسة أنواعٍ رئيسيةٍ، يتفرعُ منها أنواع أكثر تخصصًا:
- المقال السردي (Narrative)
يهدف هذا النوع إلى رواية الأحداث والقصص بأسلوب مشوّق، ويكون غالبًا ذاتيًا، فينقل الكاتب تجربته الشخصية أو يروي قصة ذات دلالة، ومن أشهر أمثلته المقالات القصصية والسير الذاتية، حيث يسرد الكاتب الوقائع بأسلوب أدبي جاذب.
- المقال الوصفي (Descriptive)
يركّز المقال الوصفي على تصوير المشاهد والتفاصيل بدقة، سواء أكانت مادية أم معنوية، وقد يكون ذاتيًا حين يعكس مشاعر الكاتب، أو موضوعيًا حين يصف مشهدًا أو ظاهرة بإنصاف. نجده في المقالات الجمالية والأدبية التي تستهدف إبراز الصورة الحسية أو الذهنية للقارئ.
- المقال الحجاجي (Argumentative)
يُكتب المقال الحجاجي للدفاع عن رأي أو موقف معين، مستخدمًا الحجج والبراهين، وهو غالبًا موضوعي، إذ يستند إلى الأدلة والاستدلالات المنطقية، لكنه قد يحمل بعض الذاتية حسب الطرح، ومن أبرز أمثلته المقالات السياسية، القانونية، والفلسفية التي تتناول قضايا خلافية أو فكرية.
- المقال التفسيري (Expository)
يهدف هذا النوع إلى شرح المفاهيم والحقائق بوضوح ودقة، مبتعدًا عن العاطفة والآراء الشخصية، ويتميز بموضوعيته المطلقة، فيُركّز على تقديم المعلومات بأسلوب تحليلي ومنظم.. يُستخدم في المقالات العلمية والتعليمية التي تسعى إلى تبسيط المعارف للقارئ.
- المقال التحليلي (Analytical)
يرتكز المقال التحليلي على دراسة الأحداث والأفكار بعمق، مستعرضًا أسبابها ونتائجها، وقد يكون موضوعيًا حين يعتمد على البيانات والتفسيرات المحايدة، أو مختلطًا حين يتداخل مع رؤية الكاتب الخاصة، من أمثلته المقالات النقدية، الاقتصادية، والاجتماعية التي تتناول القضايا من منظور تحليلي شامل.
وكُل نوعٍ من هذه الأنواع له تفصيلاتٌ وأمثلةٌ وتفرعاتٌ سنتناولها بالدراسة والتحليل معًا.
1. المقال السردي (Narrative Article) - يهدف إلى رواية الأحداث.
المقال السردي هو أحد أقدم أشكال المقالات تقريبًا، يقوم على رواية الأحداث بطريقة مُشوقة تجعل القارئ مستغرقًا في تفاصيلها، سواء أكانت وقائع حقيقية أم قصصًا متخيَّلة.
والغاية منه هي نقل التجربة بأسلوبٍ يجعل القارئ يعيش تفاصيلها، فيسير في مسار زمني واضح، وتتتابع الأحداث بتسلسلٍ منطقي ومتناسق، وغالبًا ما يكون المقال السردي ذاتيًا، لأن الكاتب يعتمد فيه على أسلوب شخصي يعكس رؤيته وتفاعله مع القصة أو الحدث الذي يرويه.
ولاحظ دائمًا: أن المقال السردي يدخل في نطاق الكثير من الكتابات التي تحمل طابعًا قصصيًّا، مثل:
- المقالات التي تروي تجربة شخصية مرَّ بها الكاتب.
- المقالات التاريخية التي تُقدَّم بأسلوبٍ مشوّق.
- المقالات التي تَعرض دروسًا مستفادة من مواقف معينة، فتجعل القارئ يخرج منها بحكمة أو عبرة دون أن يشعر بأنه أمام طرحٍ مباشر أو تقريرٍ جامد.
- الاعتماد على السرد القصصي الذي يركز على الأحداث والشخصيات.
- استخدام ضمير المتكلم أو الغائب حسب طبيعة السرد.
- إبراز المشاهد والتفاصيل بطريقة تجعل القارئ يتخيلها وكأنه يشاهدها بعينيه.
ملحوظة: قد يتضمَّن المقال السردي بعض الحوارات التي تُضفي عليه طابعًا تفاعليًا وتجعله أكثر حياةً وواقعية.
- المقال السيري الذاتي:والذي يحكي فيه الكاتب تجربته الشخصية بأسلوبٍ جذاب.
- المقال التاريخي السردي: والذي يتناول أحداثًا تاريخية ويعيد سردها بطريقة تجعل القارئ يعيش تفاصيلها.
- ثم المقال السردي التربوي: والذي يُقدَّم بأسلوب قصصي لإيصال فكرة تعليمية أو عبرة ذات قيمة.
2. المقال الوصفي (Descriptive Article).
"تتوغل الشمس في الأفقِ، ويلف الأفق لونها الذهبي الخافت."
"الشمس تحتضر أمامي، تسحب خيوطها الأخيرة إلى قلب البحر، تاركةً وراءها بقايا ضوء يلفظ أنفاسه."
فإذا كان الحديث عن مدينة قديمة، لا يُقال ببساطة: "المدينة قديمة الطراز" ويصمت، بل يُقال: "الطرقات ضيقة تتلوى مثل أفعى بين الجدران، والبيوت متلاصقة تتكئ على بعضها مثل عجوزين يقتسمان الحنين معًا." ولاحظ أن: الحواس الخمس تلعب دورًا محوريًا في هذا النوع من الكتابة، فيتم استدعاؤها جميعًا لإثراء الوصف، فيسمع القارئ الأصوات، ويتخيل الألوان، ويكاد يشم الروائح ويتذوق النكهات، بل حتى يشعر بدرجة الحرارة أو ملمس الأشياء! فإذا كان المكان سوقًا، فلا يكفي أن يُقال: "السوق مزدحم"، بل يجب أن يُقال: "تتداخل أصوات الباعة بنداءاتهم الغليظة، تفوح روائح التوابل التي تحرق الأنف، وتتصادم الأجساد في الممرات الضيقة، والهواء ثقيل برائحة القهوة المحمصة."
- يعتمد على قوة الصورة والتفاصيل، فلا يقتصر على ذكر المعلومة، بل يصوغها بطريقة تجعلها حية في ذهن القارئ كما وضحنا بالأمثلة.
- يُكثر من استخدام المفردات الدالة على الحواس، فالوصف هنا ليس إخبار عن شيء فقط، بل إعادة تشكيله -حرفيًّا- داخل النص ليصل إلى القارئ بكل أبعاده.
- هذا النوع من المقالات أيضًا يمتاز بالإيقاع اللغوي المتناغم.
3. المقال الحجاجي (Argumentative Article).
على سبيل المثال، إذا كان الموضوع عن أهمية الفلسفة في الحياة اليومية، فلا يكفي أن يُقال: "الفلسفة ضرورية للإنسان"، بل يجب دعم هذا الرأي بحججٍ واضحة، مثل أن يقال: "الفلسفة ليست ترفًا ذهنيًا، هي التي تقود كل العلوم، فكما أن الرياضيات تُؤسس للفيزياء، الفلسفة تُؤسس للتفكير ذاته، وتُحرّر العقل من الأوهام والخرافاتِ."
4. المقال التفسيري (Expository Article).
أمَّا عن الهدف من كتابة المقالات التفسيرية، هو تبسيط المعلومات المُعقدة، بحيث يتمكن القارئ من استيعابها دون الحاجة إلى خلفية متخصصة، فهو لا يفرض رأيًا ولا يُحاول الدفاع عن فكرةٍ معينة، بل يقدّم المعلومات بأسلوب سلس ومنهجي، مستخدمًا أمثلة وتوضيحات تساعد في إيصال المعنى بدقة.
والمقال التفسيري يتميز بكونه موضوعيًا بحتًا، فلا يتضمن انحيازًا لرأي معين ولا يحاول التأثير في موقف القارئ، المعلومات تُعرض كما هي، دون تدخل الكاتب بآرائه الشخصية أو عواطفه، مما يجعله مناسبًا للكتابة الأكاديمية والعلمية.
أمثلة على المقال التفسيري:
- المقالات العلمية التي تشرح الظواهر الطبيعية، مثل مقال يوضح كيف تتشكل الأعاصير، حيث يُقدَّم تفسير علمي لآلية حدوثها بدقة دون تحيز أو مبالغة.
- المقالات التعليمية التي تشرح قواعد النحو أو العمليات الحسابية، مثل مقال يفسر قاعدة إعرابية معينة بطريقة مبسطة مع أمثلة واضحة.
- المقالات الموسوعية التي تقدم تعريفات دقيقة لموضوعات مختلفة، مثل مقال يوضح مفهوم الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته دون التطرق إلى فوائده أو مخاطره.
- استخدام لغة مباشرة وواضحة: الأسلوب في المقالات التفسيريَّة يكون بسيطًا ودقيقًا، بعيدًا عن التعقيد أو الأساليب البلاغية الزائدة، مثل قول: "يحدث المدّ والجزر نتيجة لتأثير جاذبية القمر على مياه البحار." دون إضافات إنشائية غير ضرورية.
- تنظيم المعلومات في فقرات متسلسلة منطقيًا: يتم تقديم المعلومات بتسلسل واضح يساعد القارئ على فهمها تدريجيًا، مثل البدء بتعريف الموضوع، ثم شرحه، ثم تقديم أمثلة تطبيقية عليه.
- دعم المعلومات بالأمثلة والتوضيحات: عند شرح ظاهرة ما، يتم إرفاقها بأمثلة عملية تُسهّل على القارئ استيعابها، مثل تشبيه التيار الكهربائي بتدفّق الماء في الأنابيب لتوضيح طريقة انتقال الطاقة.
- عدم إظهار رأي الكاتب الشخصي (قاعدة مُهمة): لا يُستخدم المقال التفسيري للتعبير عن قناعات الكاتب أو مواقفه، بل يُركز على نقل المعرفة بحيادية، مثل شرح "أسباب الاحتباس الحراري" دون إبداء موقف شخصي حول السياسات البيئية المتبعة.
ومن رأيي الشخصي هذا النوع من المقالات وإن كان يحتاج إلى دراسةٍ وحصيلة معلوماتية ضخمة، إلا أن تأثيره ضئيل جدًا، على سبيل المثال: هناك ملايين المقالات العلميّة التي تختص بتفسير ظاهرة علمية أو قواعد عامة وغير ذلك، ولا أرى -من وجهة نظري- أن هذا النوع الآن حقّه أن يوضع ضمن الأولويات، إلا إذا كتب الكاتب شيئًا مُختلفًا، لم يكتبه كاتبًا من قبل.
5. المقال التحليلي (Analytical Article)
- المقالات النقدية التي تحلل الأعمال الأدبية والفنية، مثل مقال يناقش كيف استخدم كاتب معين الرمزية في رواياته، وهل كانت فعالة في إيصال الفكرة أم لا.
- المقالات الاقتصادية التي تدرس الأسواق والتغيرات المالية، مثل مقال يحلل أسباب الأزمات الاقتصادية وتأثيرها على الاقتصاد العالمي.
- المقالات الاجتماعية التي تناقش قضايا مثل الفقر أو العدالة، مثل مقال يستعرض العلاقة بين التعليم والفجوة الاقتصادية في المجتمعات المختلفة.
- تفكيك الظواهر إلى عناصرها الأساسية: لا يكتفي المقال بوصف القضية، بل يدرس أجزائها وعلاقاتها، مثل: تحليل كيف تؤثر العوامل الثقافية والاقتصادية على انتشار توجه فكري معين.
- استخدام منهج استدلالي منطقي: يقوم المقال ببناء حججه استنادًا إلى أدلة مترابطة، مثل :تحليل تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على تشكيل الرأي العام، من خلال دراسة حالات وأمثلة واقعية.
- طرح تساؤلات تدفع القارئ للتفكير: بدلًا من تقديم إجابات نهائية، يُحفِّز المقال القارئ على التأمل، كأن يسأل: هل كان تأثير الثورة الصناعية على المجتمع إيجابيًا بالكامل أم أنه خلق فجوات جديدة؟
- إمكانية إدراج وجهة نظر الكاتب: على عكس المقال التفسيري، يمكن للكاتب هنا أن يعرض تحليله الشخصي للقضية، مع دعمه بحجج منطقية وأدلة واقعية، مثل مناقشة ما إذا كانت الحداثة في الأدب العربي قد خدمت التراث أم هدمته.
تصنيف المقالات بناءً على طبيعة الطرح (Classification by Objectivity and Subjectivity).
- المقالات العلمية.
- التقارير الإخبارية.
- الدراسات البحثية.
- المقالات الأدبية.
- اليوميات.
- المقالات الفلسفية.
الموضوعي قائمٌ على الحقائق، والذاتي على المشاعر، والمختلط على التوازن بينهما، ولكلٍّ منها مجاله وغايته، بحسب ما يقتضيه المقام، وما تحتاج إليه طبيعة الطرح.
تصنيف المقالات بناءً على الجمهور المستهدف (Classification by Audience)
1. المقال العام - General article.
ومن خصائص العام، أنه يخاطب الجميع، لا يفترض معرفة مسبقة لدى القارئ، ولا يغرقه في تعقيدات لا يحتاجها، فكرته واضحة، وأسلوبه سلس، ومحتواه أقرب إلى حديث ودي بين الكاتب والقارئ.
ويهدف هذا النوع إلى نقل الأفكار والمعلومات بسلاسة، دون أن يشعر القارئ بثقل المفاهيم أو جفاف الأسلوب، تمامًا هو المقال الذي يَصلح لأن يُقرأ على عجل في الصباح، أو أثناء استراحة قصيرة، ومع ذلك يترك في الذهن أثرًا واضحًا.
والأمثلة على المقال العام كثيرة، أهمهم:
- مقال في صحيفة يومية يناقش تأثير قلة النوم على المزاج.
- مقالة اجتماعية عن أهمية التواصل العائلي في ظل تسارع الحياة.
- موضوع عن فوائد شرب الماء، ولكن بطريقة تجذب القارئ العادي دون مصطلحات طبية معقدة.
المقال العام هو السرير المفضل للكاتب المُبتدئ، فتجده يستخدم السردَ وأسلوبًا تقريريًّا كأنه كاتبٌ مدرسيٌّ وليس مقالًا! أو أنه يغرق في التشبيهات، أو أنه يستخدم الضمير المتكلم العائد عليه كثيرًا. كُل تلك الأشياء تُنفِّر القارئ من المقال، فيجب التدرب جيدًا.ولكي تعرف جمهور أي مقال سواء كنت أنت القارئ أم الكاتب، فمن السمات: لغة واضحة بعيدة عن التكلف.
- تجنب المصطلحات التخصصية إلا إذا كان لا بد منها، وحينها تُشرح ببساطة.
- استخدام أمثلة وحكايات لتوضيح الفكرة.
- سرد سلس يضمن استمرار تفاعل القارئ مع النص.
- أسلوب خبري أو قصصي يجعل القراءة ممتعة وغير جافة.:
تخيل معي مقالًا بعنوان "كيف تحافظ على صحة قلبك؟" فتبدأ الحكاية برجلٍ في الخمسين من عمره اكتشف فجأة أنه يعاني من مشاكل قلبية بسبب نمط حياته الخاطئ، ثم ينتقل المقال بسلاسة إلى الحديث عن العادات الصحية التي تحافظ على القلب، مثل المشي المنتظم وتناول الطعام الصحي، دون أن يغرق القارئ في تفاصيل طبية معقدة.
وهكذا يتكون المقال العام: بسيط، جذاب، يحمل فائدة دون أن يشعر القارئ أنه يقرأ درسًا علميًا جافًا.
2. المقال التخصصي - Specialized article
باختصار شديد: المقال التخصصي يُقدم معلومات دقيقة وتحليل معمق يخدم أصحاب التخصص، فيستهدف المهنيون والمتخصصون في مجال معين، بأسلوب علمي، تحليلي، يتضمن مصطلحات تقنية دقيقة.
استخدامات المقال التخصصي:
- المقالات الطبية التي تناقش التطورات العلاجية.
- المقالات القانونية التي تفسر القوانين والأنظمة.
- المقالات الهندسية والتقنية التي تتناول تقنيات متقدمة.
- المقالات الاقتصادية التي تحلل الأسواق واتجاهاتها.
السمات الأسلوبية:
- يجب أن تستخدم مصطلحات دقيقة واحترافيّة.
- وجوب الاستناد إلى مصادر علمية موثوقة.
- عرض المعلومات بأسلوب تحليلي معمق.
- مخاطبة القارئ المتخصص مباشرة دون تبسيط زائد.
- الالتزام بالدقة في استخدام المصطلحات والبيانات.
3. المقال الأكاديمي - Academic article
إن استقام المقال الأكاديمي على هذا المنهج، صار موثوقًا لا يُشكّ في صوابه، وإذا اختلّ قوامه بترك التوثيق والتساهل في الاستدلال، خرج عن أن يكون علميًا، وصار رأيًا لا يُعوَّل عليه.
4. المقال التوجيهي - Guidance article
إذا تأملت في كتب الحكماء، وجدتهم لا يقتصرون على القول المجرد، بل يضيفون إليه أسلوب التفاعل، كما في كتب التربية التي تسأل القارئ ليُفكر، أو تدعوه إلى تجربة ما تعلّمه بنفسه.
فالمقال التوجيهي الصالح هو ما جمع بين وضوح اللفظ، وحكمة العرض، وتدرج التعليم، وتطبيق عملي يجعل القارئ يأخذ العلم والعمل معًا، فلا يكون حبرًا على ورق.
التصنيف حسب وسيلة النشر (Classification by Publishing Medium)
هذا التصنيف يقوم على الأساسِ الذي تُنشر فيه المقالات، فتختلف طبيعة المقالات بناءً على الوسيلة التي ستنشر فيها، سواء كانت مطبوعات ورقية، منصات إلكترونية، وسائل التواصل الاجتماعي، الإذاعة والتلفاز وغيرها.
والمقالات في هذ التصنيف -خاصة- تتأثر بعوامل معينة، مثل:
- أسلوب الكتابة (رسمي، غير رسمي، سريع، متعمق، تفاعلي).
- طول المقال (قصير، متوسط، طويل، قابل للتصفح السريع).
- جمهور القراء (هل هم جمهور عام، متخصص، تفاعلي، باحثون، مستخدمو الإنترنت؟).
- الهدف من المقال (إخباري، تحليلي، تسويقي، ترفيهي، تعليمي؟).
المقالات تُصنّف حسب وسيلة النشر إلى أربع أنواع رئيسية:
1. المقال الصحفي (Newspaper Article)
- فمنه ما هو إخباريٌّ، يُقتصر فيه على نقل الحدث كما وقع، بغير زيادة ولا نقصان، فلا مكان فيه للرأي.
- ومنه التحليليّ، يُجاوز فيه الكاتب ظاهر الخبر إلى بواطنه، فيتتبع أسبابه، ويربطه بسياقه، كما ترى في مقالات المفكرين الذين لا يكتفون بسرد الأحداث، بل يُفتّشون في عللها ويستقرئون عواقبها.
- ومنه مقال الرأي، يُبدي فيه الكاتب موقفه، ويستدلّ على قوله بالحُجج، فلا يُلقي الكلام على عواهنه ويصمت، يُحاول أن يُقنع قارئه بالحكمة والمنطق.
- وأما المقال الاستقصائي، فهو عبارة عن بحثٍ محكم، يتطلب من صاحبه الدقة والصبر، لأنه لا يعتمد على الظواهر، بل يتعمق في الملفات ويستخرج الخبايا، كما كان يصنع الصحفيون الكبار الذين كشفوا قضايا الفساد والخفايا السياسية.
- وأما المقال النقدي، فهو ميزانٌ الأفكار والقضايا، يتناول السياسة أو الأدب أو الفن، فيزن الأمور بميزان الإنصاف، ويشير إلى مكامن القوة والضعف، كما كان يفعل العقاد حين يحلل الشخصيات، وطه حسين حين يراجع الأعمال الأدبية.
وإن كان المقال إخباريًا، وجب فيه التجرّد والموضوعية، وإن كان تحليليًا، وجب فيه التعمّق، وإن كان رأيًا، فلابد من حججٍ تُعضده، فلا يصح أن يكون مجرد انطباعات.
2. المقال الإلكتروني (Online Article)
المقال الإلكتروني هو ابن عصر السرعة، يُكتب ليُقرأ على الشاشات، فلا يحتمل الإطالة ولا التعقيد، بل يُشترط فيه الوضوح والجاذبية، بحيث يُمسك القارئ من أول سطرٍ فلا يتركه حتى ينهيه. ومع ذلك هو لا يشبه المقال الصحفي الذي يُنقل إلى الورق، فله طبيعةٌ خاصة، حيث يتفاعل مع القارئ، ويستخدم الوسائط البصرية، ويراعي تقنيات البحث الإلكتروني، فلا يُكتب ارتجالًا، بل يكتب بحسابٍ دقيقٍ لكيفية وصوله وانتشاره أو ما نُسميه حاليًا بمقالات الـ SEO، مثل هذا المقال، فيُصنف أنه مقال SEO إن نظرنا لوسيلة النشر، لأن هدفي تقنيًا هو تهيئة المقالة إلى محركات البحث، ولكي يحدث هذا أعمل على وضع كلمات مُفتاحية (لا يلاحظها القارئ العادي)، وأعمل على تحسين المُحتوى تقنيًا واستخدام روابط انتقال سريعة وسهلة التصفح، وعندما تُحقق كل تلك الشروط يرى جوجل أن الموقع يُقدم محتوى هادف ومُفيد للزوار، فيظهر المقالة في نتائج البحث.
والمقالات الإلكترونية على أنواع، فمنها التعليمي الذي يُبسّط العلم ويضعه في متناول القارئ، كما كان يفعل الفراهيدي حين ضبط قواعد النحو وجعلها يسيرةً للمتعلمين، ومنها التقني الذي يشرح المستجدات الرقمية، فيضع المعارف الحديثة في قالبٍ واضحٍ مفهوم، كما كان يفعل علماء الميكانيكا -مثلًا- في تدوين أسرار الصناعات، ومنها الترفيهي الذي يُسلي القارئ بالحكاية والمواقف الطريفة، لكنه لا يكون مجرد لهو وركاكة، وأما المقال الثقافي، فهو غذاءُ العقل، يُناقش قضايا الأدب والفكر، مستندًا إلى الحجج والبراهين.
والكتابة في الفضاء الإلكتروني لها أسلوبها الخاص، فالفقرات فيه قصيرة، تُريح عين القارئ فلا تكدّها، والجمل واضحة، تُوصل المعنى دون التواء، والعناوين متدرجة، ترشد القارئ إلى مواضع الفائدة.
ولا يُكتفى بالكلام المجرد، بل تُضاف إليه الصور والرسوم والمقاطع المرئية، ولا يُغفل فيه جانب البحث (كما ذكرنا بالأعلى)، فتُستخدم الكلمات المفتاحية بعناية، كما تُضاف الروابط التي تُمكّن القارئ من التوسع والتعمق، ليكون المقال بابًا يُفضي إلى غيره من المعارف.
فلو كتب مدوّنٌ مقالًا بعنوان: "10 استراتيجيات لزيادة إنتاجيتك اليومية"، لم يكن له أن يقتصر على السرد النظري، بل ينبغي له أن يضع الخطوات في نقاطٍ واضحة، مستعينًا بالصور والرسوم التي تُبسّط الفكرة، مُضمنًا المقال روابط لمصادر موثوقة، بحيث يخرج القارئ بفائدة عملية تُعينه في حياته اليومية، فإن كان المقال كذلك، انتشر بين الناس، وذاع في المنصات، وصار نافعًا غير ممل، جذابًا غير سطحي، ممتعًا غير مُفرّط في المعلومة.
3. المقال التسويقي والإعلاني (Marketing & Advertising Article)
المقال التسويقي ضربٌ من الكتابة يراد به التأثير في القارئ، لا الإخبار فقط، بل لدفعه إلى الفعل، سواء أكان شراء منتج، أم الاشتراك في خدمةٍ، أم الوثوق بعلامةٍ تجارية، فلا يُعتبر مقالًا علميًا قائمًا على الحياد، ولا تحليلًا أدبيًا يتذوق الجمال، بل يكمن سِره في الإقناع، يُستخدم فيه الأسلوب التحفيزي، والعرض الجذاب، والحجج التي تُقنع عقل القارئ، كما يُستخدم أسلوب السرد والاستشهاد بقصص النجاح، ليجد القارئ نفسه راغبًا في التجربة، قبل أن يشعر بأنه مُستَهدف بالإعلان، وهذا النوع من الكتابة أعتبره أصعب الأنواع، ويحتاج إلى تعلمٍ طويل، وخبرة أطول، فغالبًا من يُجيده جيدًا، لا يستطيع أن يُجيد الكتابة في أي نوع غيره.
والمقالات التسويقية على أنواع:
- فمنها الإعلانيّ الذي يُظهر المنتج في صورةٍ مُغرية، فيُركز على ميزاته، ويُبيّن كيف يُلبي حاجة العميل، كما كان يفعل التجار في الأسواق حين يُظهرون أجود ما عندهم، ويعرضونه بأسلوبٍ يستميل المشترين.
- ومنها التعريفيّ، وهو أشبه بالسيرة الذاتية للعلامة التجارية، يروي قصتها، ويُبرز قيمها، ليشعر القارئ بأنه لا يتعامل مع منتجٍ جامد، بل مع اسمٍ له شخصيةٌ وتاريخٌ ورؤية.
- ومنها التعليميّ، وهو أدقها وأقواها أثرًا، لأنه لا يُروّج للمنتج مباشرة، يقدم للقارئ فائدةً تُعينه، فيثق بالمصدر، ثم ينجذب إلى ما يقدمه من خدمات.
وأسلوب المقال التسويقي يختلف عن غيره، فهو موجّه، مُختصر، لا يلتف في العبارات، بل يذهب إلى مقصوده بلا مواربة، فتكون جمله قصيرةً محكمةً، كما تكون فيه دعواتٌ لاتخاذ إجراءٍ واضح، مثل ما نراه بكثرةٍ: "جرّب الآن"، أو "اشترك اليوم واحصل على الميزة الفلانية".
وكثيرًا ما يُستخدم فيه أسلوب القصة، فيُروى كيف عانى أحدهم من مشكلة، ثم وجد الحل في المنتج أو الخدمة، فيتولد عند القارئ إحساسٌ بأنه يواجه المشكلة نفسها، وأن الحل بين يديه إن هو أقدم.
فلو كتب أحد المسوّقين مقالًا بعنوان "كيف يمكن لخدماتنا أن تغيّر حياتك؟"، لن تجده يعدك وعودًا جوفاء، بل يجب أن يذكر تجارب حقيقية، تُثبت كيف أثّر المنتج أو الخدمة في حياة العملاء، ويستخدم لغةً قريبةً من الناس، ليست جافةً كالدعاية التقليدية، بل تُشعر القارئ بأنه أمام فرصةٍ لا ينبغي أن تفوته أبدًا، وهذا غالبًا ما يحدث.
4. المقال التفاعلي على وسائل التواصل الاجتماعي (Social Media Article)
المقال التفاعلي على وسائل التواصل الاجتماعي ليس كغيره من المقالات، لأنه لا يُقرأ في هدوءٍ وتأنٍّ، بل يُستهلك بسرعةٍ وسط زحام المنشورات، فلا بد أن يكون جذابًا من أول كلمة، مباشرًا لا يلتفّ في عباراته، مُختصرًا لا يُثقل القارئ بطولٍ يضجره! وهو ليس مقالًا جامدًا يُقرأ ثم يُطوى، بل يُكتب ليُشارك، ليُعلّق عليه الناس، ليفتح باب النقاش، وليتحوّل من نصٍّ إلى حالةٍ تفاعليةٍ تظهر في التعليقات والمشاركات.
وهذا المقال على أنواع:
- فمنه التوعويّ الذي يُقدّم للناس نصائح ومعلوماتٍ نافعةٍ بأسلوبٍ سريعٍ سهل، أشبه بما كان يفعله الحكماء حين يُلقون موعظةً قصيرةً ذات أثرٍ.
- ومنه الجدليّ الذي يُثير القضايا، لا ليعطي إجابةً نهائية، بل ليفتح باب الحوار، كما كانت تفعل المناظرات القديمة، حين يطرح كل فريقٍ حججه، ويترك الحكم للقارئ.
- ومنه التحفيزيّ الذي يخاطب المشاعر، يُشعل الحماسة، يُلهم الناس، كما كان يفعل الخطباء في ميادين الحشد، حيث تُقال الكلمة فتُحرّك النفوس.
وأسلوبه يختلف عن كل ما عداه، فهو بسيطٌ، سلسٌ، مُباشر، لا يتحمّل التكلّف اللغويّ ولا التفصيل الممل، بل تُستخدم فيه الجمل القصيرة، والأسئلة التي تستفز التفكير، والتعابير التي تثير العاطفة، ولا يُكتب مجردًا، بل يكون مصحوبًا بالصور، بالرسوم، بالمقاطع القصيرة.
فلو كُتب منشورٌ على فيسبوك يقول: "ما رأيك في قضية التحرش الآخيرة؟ شاركنا رأيك!"، لم يكن مقالًا بالمعنى التقليدي، لكنه زرع بذرة نقاشٍ في عقول المتابعين، فتح باب التفاعل، وجعل المنشور يعيش في التعليقات بالمعنى الحرفي، وكذلك يكون المقال التفاعلي قد صاب غايته، وجذب الأنظار، وحقق أثره، ولم يكن مجرد كلماتٍ تمضي مع التيار.
التصنيف حسب المنهجية (Classification by Methodology)
التصنيف حسب المنهجية يعتمد على الطريقة التي يُكتب بها المقال، أي الأسلوب البحثي أو التحليلي الذي يتّبعه الكاتب لتنظيم أفكاره، معالجة المعلومات، وتقديم النتائج للقارئ.
يؤثر هذا التصنيف بشكلٍ مباشر على بنية المقال، طريقة عرض الأفكار، استخدام المصادر، ونوع الحجج والبراهين المطروحة.
ويُقسَّم المقال حسب المنهجية إلى خمسة أنواع رئيسية:
1. المقال الاستقصائي (Investigative Article)
المقالُ الاستقصائيُّ نوعٌ كتابيّ يعنَى بالتعمُّقِ في المسائل، والتوغل في خبايا الأمور، واستجلاء الحقائق المستترَة عن أعين العامَّة، فلا يكتفي كاتبهُ بظاهر القولِ فقط، ولا يأخذ الأخبار على علاَّتها، بل يلزمه أن يُعمل النظر، ويستقصي الأثر، ويمحصُ الروايات، حتى يُبعد اللثامَ عن الحقائق الغائبةِ أو المُغيبةِ سواء كان عن قصدٍ أو إهمال، وهو نهجٌ لا يَسلُكه إلا ذو عقلٍ نافذٍ، وبصيرةٍ مُتوقِّدة، قادرٌ على التمييزِ بين غثِّ الأخبارِ وسمينها، مُلِمٌّ بمناهج البحث، مُجيدٌ لاستخدامِ الوثائقِ والمصادرِ والشهاداتِ الحيَّةِ في تحقيقِ غايتِه.
ولا ريبَ أنَّ هذا الضربَ من الكتابةِ ذا شأنٍ عند الباحثين عن الحقائق، والمشتغلين بالعلومِ (السياسيةِ والاقتصاديةِ والاجتماعية)، لأنه يُقدِّمُ لهم صورةً غيرَ مُشوَّهةٍ لما يجري خلف الأستار، ويفتحُ أمامهم باب المعرفةِ الصحيحةِ المُرتَكزة على الأدلة القاطعة والبراهين. وليس المقالُ الاستقصائيُّ بالكلامِ المُرسلِ الذي يعتمِدُ على الأهواءِ الشخصيةِ، ولا هو ضربٌ من الخطابةِ العاطفيةِ التي تُستَمالُ بها القلوبُ دون أن تُستَفَزَّ بها العقول، بل هو بناءٌ محكمٌ لا يقومُ إلا على الصدقِ والدقَّةِ والموضوعيةِ الصارمة.
ومن أظهر سمات هذا اللون من الكتابة أنه لا يلقي الكلام على عواهنه، بل يدعم أقواله بالحجج الدامغة والوثائق المثبتة، فكاتب المقال الاستقصائي لا يكتفي برأي عام ولا يشيد مقاله على الظن والتخمين، فلا يكتب رأيه إلا بعد استيفاء كل بينة واستقراء كل دليل.
ثم إن هذا المقال لا يعنى بالسؤال عن الظواهر فقط، بل يبحث في جذور القضايا، يطرح الأسئلة التي قد يهاب غيره طرحها، ويفتش عن الأجوبة المكتومة، ولو تأملت في الكتابات التي عنيت بكشف الفساد المالي والإداري لكبرى الشركات، لوجدتها لم تكن مقالات سطحية تردد ما يتناقله الناس، بل كانت ثمرة بحث دؤوب في مستنداتٍ مسربة -غالبًا- وتحليلًا دقيقًا لأرقام وإحصاءات لم يكن ليلحظها إلا من أمعن النظر فيها، كما فعلت بعض الصحف العالمية حين كشفت كيف تتلاعب بعض العلامات التجارية بأسعار المنتجات، أو تضلل المستهلك بالإعلانات الزائفة التي تغريه بشراء ما لا حاجة له به.
ومثل هذا يقال في المقالات الاستقصائية التي تتتبع قضايا الفساد السياسي، وتفتش في خفايا الدبلوماسية التي تعقد الصفقات سرًا، ويراد للحقائق أن تظل رهينة السياسة، ولولا المقالات التي أمعنت البحث في الوثائق السرية والتقارير المسربة، لبقي كثير من الحقائق لا يعلمها إلا الله عز وجل، ثم أصحاب الوثائق أنفسهم.
ربما لا نشعر بتأثير هذا النوع من الكتابة -خاصة بمصر- ولكن لولا هذا النوع لِما انكشفت ألاعيب بعض الأنظمة التي تزين ظاهر أمرها وتخفي ما لا يراد للناس أن يطلعوا عليهن حتى في مصر.
المقال الاستقصائي ليس ترفًا فكريًا، ولا هو سرد للأحداث، هو النوع الوحيد من أنواع فن المقالة الذي يتطلب أمانة شديدة جدًا في البحث، وشجاعة في الطرح، ودقة في الاستنتاج، ولولا أمثاله لضاعت كثير من الحقائق.
2. المقال التحليلي (Analytical Article)
أما عن المقال التحليلي في هذا التصنيف، هو يختص بالفهم الشديد للأحداث والظواهر، لا يقتصر فيه الكاتب على سرد الوقائع، بل يُعمل فيه فِكره، ويستخرج الخفايا، ويربط بين العلل والمعلولات، فيبصر القارئ بما وراء الحوادث من أسباب، وما يترتب عليها من نتائج. ولا يكون هذا اللون من الكتابة إلا لمن أوتي نصيبًا من الفِطنة، وملكة النقد، وحسن الاستدلال.
أنا لا أتحدث عن الرويبضة الذي ينتقد الشيء لمجرد النقد أو يسير بمبدأ "خالف تُعرف" ظنًا منه أن البشرية لم تأتِ بمثله، هذا النوع مُنتشر وأنا لا أقصده طبعًا.
المقال التحليلي السرد فيه ليس عشوائيًا، ولا تأملًا أدبيًا حرًا، فقط عبارة عن بحث يستند إلى قواعد عقلية ومنطقية، ويحتكم إلى المعطيات والإحصاءات والبراهين الموثوقة، فلا يُستساغ التحليل بلا دليل، ولا يُقبل التأويل بلا حجة، ومن أجل ذلك، فهو من أحب الألوان إلى أهل الفِكر والنقد، ومن أكثرها نفعًا للباحثين الذين يبتغون الفهم العميق لما يجري حولهم من وقائع.
وإذا تأملت سمات هذا الضرب من الكتابة، وجدته قائمًا على أربع ركائز لا غنى لإحداهن عن الأخرى، فأولاها دقة التحليل، لا يلقي صاحبه الكلام جزافًا، بل يعمد إلى تفكيك الموضوع إلى أجزائه، ويضع كل جزء في موضعه الصحيح، فلا يترك القارئ نهبًا للتخمين، بل يقدم له تفسيرًا مستندًا إلى الوقائع والبيانات الموثوقة.
أما الركيزة الثانية فهي استعراض مختلف الآراء والمذاهب، فلا يكون المقال التحليلي قويمًا إلا إذا وسّع أفقه، وأحاط بمختلف وجهات النظر، فلم يغفل رأيًا وجب ذكره، ولم يُقصِد الانحياز إلى موقف دون آخر بلا حجة.
وأما الركيزة الثالثة، فهي قوة الحجة، لا يكتفي الكاتب بعرض ما يرى، فيعضض كتاباته بالحجج العقلية، ويسنده بالإحصاءات والبيانات، ولا يترك في كلامه موضعًا للتشكيك، بل يطرد عنه مظنة الخطأ بالبرهان والاستدلال.
وأما الرابعة، فهي الربط بين الأسباب والمسببات: لا يُعرض المقال التحليلي الظواهر بمعزل عن سياقها، ويجب يتتبع نشأتها وتطورها، يبحث في عللها وجذورها، ثم يستقرئ ما يترتب عليها من نتائج وآثار، فلا يكتفي بالإجابة عن سؤال "ماذا حدث؟"، وإنما يقدم جوابًا عن "لِمَ حدث؟"، و"كيف سيكون أثره؟".
ولنضرب مثلًا بمقال مُهمته تفسير أثر أسعار النفط في الاقتصاد العالمي، فمثل هذا المقال لا يكتفي بذكر ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، وإنما يحلل الأسباب التي تؤدي إلى تقلباتها، من الأوضاع السياسية إلى الطلب العالمي، ثم يبين كيف تؤثر تلك التقلبات في أسواق المال، والصناعات الكبرى، والتضخم، والسياسات النقدية للدول الكبرى، فيبصر القارئ بالعلاقة الوثيقة بين الاقتصاد والسياسة، ويكشف له خفايا التداخل بين الأسواق العالمية والقرارات الاستراتيجيّة.
3. المقال الجدلي "البنزينيّ" (Argumentative Article)
المقال الجدلي، وما أشهر من الجدلي الذي ينشد فيه الإقناع، ويُبنى على الحجة والدليل، ويُقصد به الذَّودُ عن فكرة أو الانتصار لرأي، على نحو لا يُترك فيه المجال للحظ أن يكون حكمًا، ولا للعاطفة أن تستبد بالحكم، وإنما يكون الاحتكام إلى العقل والمنطق، فلا يُلقى القول جزافًا، ولا يُستند إلى الظن والتخمين، فيُشيَّد المقال على براهين تُقيم الحجة، وتُفند المعارضة، وتقطع الطريق على الاعتراض والتشكيك.
وليس المقال الجدلي بسرد لرأي دون مجابهة، ولا هو بتقرير أمر دون إيضاح وجه الاستدلال عليه، يُبدي فيه الكاتب حججه، ويستعرض فيه خصمه براهينه، فلا يُنتصر لفكرة إلا بعد تمحيص، ولا يُدحض رأي إلا بعد استقصاء لأوجه ضعفه.
وإذا نظرت في سمات هذا الضرب من المقالات، ألفيته قائمًا على أربع خصائص رئيسية:
أولها أنه لا يتناول مسائل بديهية أو أمورًا لا خلاف فيها، بل ينصرف إلى القضايا التي يشتد حولها الجدل، وتتعارض فيها الآراء، ويشتجر فيها الخصام الفكري، هو لا يهتم مُطلقًا بشرح الواضحات، ولا ترديد المسلمات، هو يُحب المعارك، هو "المقال البنزيني" من بين جميع المقالات، لأنه ما إن يدخل المعركة حتى يسكب الزيت على النار ويشعلها، وهو نفسه "أبو لهب" الخلافات الفكرية المشهورة، فلا يتدخل إلا ليُشعل النار، ثم يجلس متفرجًا!
ثانيها أنه لا يكون إنشائيًا يُرسل فيه الكلام بلا دليل، ولا عاطفيًا يُستمال فيه القارئ بالخطب والمبالغات، بل يقوم على أسس عقلية، فلا يُقيم الكاتب فيه بناءه على مجرد الظن، وإنما على أدلة منطقية محكمة، تترابط فيها المقدمات بالنتائج، ويرتبط فيها كل رأي ببينة تشده إلى الأرض.
ثالثها: أنه لا يكتفي ببناء حججه، بل ينظر في حجج مخالفيه، فلا يدير ظهره للرأي الآخر (وهذا هو المفترض)، بل يقابله وجهًا لوجه، ويستقصي مواضع ضعفه، ويفند ما فيه من وهن، فإن كان الخصم قد استدل بباطل، بُيِّن بطلانه، وإن كان قد تمسك بشبهة، كُشف موضع خللها، وإن كانت له حجة ظاهرة، عورضت بحجة أقوى تُسقطها وتُزيل أثرها.
رابعها: أنه يستخدم لغة دقيقة قوية، تؤدي المعنى بوضوح، ولا تدع مجالًا للتأويل أو اللبس، فلا يكون في ألفاظه تردد ولا ميوعة، فيجيء القول فيه صارمًا، محكم البناء، دقيق العبارة، مسددًا في مواضع الحجاج، فلا تكون فيه ثغرة يتسلل منها ضعف، ولا وهن يتسرب إليه.
ولنضرب مثلًا بمقال يدافع عن إلغاء عقوبة الإعدام، فهذا المقال لا يسير على نمط الاستعطاف أو الميل إلى المشاعر المجردة، وإنما يعمد إلى بيان الحجج القانونية والفلسفية التي تؤيد رأيه، فيستدل مثلًا بأن العقوبات لا ينبغي أن تكون انتقامًا، بل تهذيبًا وإصلاحًا، وأنه قد ثبت في تجارب بعض الدول أن الإعدام لم يكن رادعًا للجريمة كما يُظن، وأن احتمال الخطأ في تنفيذ العقوبة يجعلها قاسية لا رجعة عنها، ثم يفند حجج من يؤيدون الإعدام، ويبين ما في استدلالاتهم من ضعف، فإن قالوا إن الإعدام يرهب المجرمين، رد عليهم بأن معدلات الجريمة لم تتأثر في الدول التي تطبقه، وإن قالوا إنها عدالة، رد عليهم بأن العدالة تقتضي ألا يُغلق باب التوبة أمام أحد.
4. المقال التقريري (Descriptive/Expository Article)
أما عن المقال التقريري، فهو جنس من أجناس الكتابة التي تلتزم الحياد التام، وتقتصر على نقل المعلومة كما هي، دون أن تُحمل بتأويل أو تحليل أو انحياز لرأي دون آخر، فليس الغاية منه أن يجادل أو يناقش، ولا أن يفسر أو يحلل، وإنما يقدم صورة واضحة لموضوع ما، بحيث يكون القارئ على بينة من تفاصيله دون أن يجد فيه توجيهًا أو رأيًا يؤثر على موقفه منه.
ولا يكون هذا الضرب من المقالات سردًا عشوائيًا، ولا تجميعًا للمعلومات دون نظام، بل يختص بالدقة في المقام الأول، ثم يرتب الوقائع ترتيبًا منطقيًا، بحيث تتوالى المعلومات على نحو يمكن القارئ من استيعابها دون عناء، ويتيح له أن يدرك الصورة الكاملة دون أن يتشتت بين جزئيات مبعثرة أو تفاصيل لا ارتباط بينها.
وهذه مشكلة شائعة جدًا لدى أغلب الكُتَّاب فيأتي الفِكرة في الفقرة الأولى، ثم يعيدها في الثانية، ولا يمل.. فيكررها بشكلٍ غير مباشر في الثالثة، وإن لم يفعل ذلك فغالبًا يشرح أمورٌ لا علاقة تربطهما ببعض،وهذا يرجع إلى عشوائية الكاتب أو أنه يكتب ليكون انتهى من كتابة مقالٍ وشكرًا!
وإذا نظرت في سمات المقال التقريري، ألفيت أن أولى خصائصه أنه لا يقحم رأي الكاتب، ولا يتعرض لتحليل المعلومات التي يذكرها، بل يقتصر على تقديمها بموضوعية، فليس له أن يدافع عن فكرة، ولا أن يفند رأيًا، فعليه أن يكون ناقلًا أمينًا، يورد الأخبار والبيانات كما هي، بحيث تكون للقارئ الحرية في أن يستنتج منها ما يشاء.
وثانيتها أنه لا يعنى بالجدل أو الإقناع، فلا يستخدم فيه الأسلوب الحجاجي أو الجدلي، ولا يبنى على الاستدلال أو المناقشة، وإنما يعرض الحقائق كما هي، دون أن يكون ثمة سعي لتوجيه القارئ إلى موقف بعينه، ولا محاولة للتأثير عليه باتجاه رأي دون آخر.
وثالثتها أنه يعتمد على الدقة في نقل المعلومة، ولا يجوز أن يبنى على أخبار مرسلة أو روايات غير موثقة، فالصواب أن يكون الأصل مستمدًا من مصادر موثوقة، وتقارير رسمية، وأبحاث رصينة، ليكون ما يرد فيه مستندًا إلى ما ثبت من وقائع وأحداث، لا إلى ما يقال أو يشاع بلا دليل.
ورابعتها أنه يستخدم لغة واضحة مباشرة، لا تحتمل التأويل أو اللبس، ولا تثقل بالاستعارات والمجازات التي توحي بمعان غير محددة أو واضحة، فقط يلتزم بالأسلوب المُباشر والصريح، الذي يؤدي المعنى بأوضح العبارات وأدق الألفاظ، فلا يحتاج القارئ إلى تأويل أو استنتاج ليدرك ما يراد.
ولنضرب مثالًا بمقال يتناول قضية التغير المناخي، فإن هذا المقال لا يناقش الأسباب من زاوية التأييد أو المعارضة، ولا يجادل في مدى صحة النظريات التي تفسر الظاهرة، فقط يعمد إلى تقديم المعلومات العلمية المتعلقة بها كما جاءت في التقارير البيئية والدراسات المناخية، فيبين معدلات ارتفاع درجات الحرارة عالميًا، ويذكر الإحصاءات حول ذوبان الجليد القطبي، ويورد بيانات انبعاثات الغازات الدفيئة، دون أن يضيف رأيًا أو تحليلًا، بل يترك للقارئ أن يكون موقفه بناء على ما قرأ.
من وجهة نظري لا أنصح بأن تكتب في هذا النوع إلا إن كان مطلوبًا منك في مُسابقة وما إلى ذلك، لن تقدر على إضافة لمساتك، ولذلك ستمل بسرعة شديدة، ولا أراه جيدًا إلا إذا استعنا بقليلٍ من سماته في المقالات التاريخية والسيرة الذاتية.
5. المقال المقارن (Comparative Article)
المقال المقارن ، هو الذي يجمع بين فكرتين، أو مذهبين، أو نظامين في ميزان التحليل والموازنة، فلا يعرض أحدهما بمعزل عن الآخر، وإنما يظهر وجه الاتفاق بينهما ووجه الاختلاف، بحيث يكون القارئ على بينة من مواضع الاشتراك والاختلاف، ويدرك العوامل التي تجعل كلًّا منهما مختلفًا عن غيره.
ولا تكون هذه المقارنة عشوائية، ولا قائمة على الانطباعات الذاتية، فلها أسس واضحة يبنى عليها، بحيث يكون ثمة معيار دقيق يحكم به، فلا يقارن بين شيئين لمجرد تباين أسمائهما، بل لأن بينهما ما يسوغ عقد الموازنة، سواء في الأصول التي يقومان عليها، أو في الآثار التي يتركانها في الواقع.
فإذا نظرت في سمات المقال المقارن، وجدت أن أولى خصائصه أنه يحدد معيار المقارنة بوضوح، فلا يساق الحديث فيه اعتباطًا، ولا توضع المفاهيم في مواجهة دون أساس، فيُختار دائمًا المجال الذي تكون فيه الموازنة ذات معنى، بحيث لا تكون مقارنة بين شيئين لا رابط بينهما، وإنما بين كيانين يمكن وضعهما تحت محك واحد.
وثانيتها أنه يعنى بالعرض المتوازن، فلا يكون منحازًا إلى أحد الطرفين، وعليه أن يقدم كلًّا منهما على قدر سواء، فيظهر محاسن هذا ومآخذ ذاك، ولا يكون غرضه الانتصار لرأي أو التحامل على آخر، بل الإبانة عن الحقيقة كما هي، بحيث يكون القارئ على معرفة كاملة بجوانب المسألة.
وثالثتها أنه لا يلقي بالأحكام عبثًا، فعليه أن يدعم كل وجهة نظر بما يسندها من أدلة، فلا يقال إن نظامًا اقتصاديًا ما أكثر كفاءة من غيره بغير برهان، ولا يزعم أن مذهبًا فكريًا يفضي إلى نتائج أفضل دون أن يكون ثمة ما يثبت ذلك، وإنما يكون الاعتماد فيه على الأرقام والإحصاءات والوثائق التي تؤكد صحة ما يقال.
ورابعتها أنه يراعي البناء المنهجي، فلا يكون استطرادًا متفرقًا، ولا قفزًا بين النقاط دون رابط، وعليه أن يرتب الأفكار على نحو يمكن القارئ من تتبع خط المقارنة دون اضطراب، فيبدأ بالمبادئ والأصول، ثم يتناول التطبيقات والنتائج، بحيث تكون الصورة متكاملة في ذهن من يقرأ.
ولنضرب مثالًا: بمقال يتناول المقارنة بين الرأسمالية والاشتراكية في تحقيق العدالة الاقتصادية، فإنه لا يكون مجرد عرض لمزايا كل نظام وعيوبه، وإنما الأوجب أن يقارن بين أسسهما، وكيف تحدد كل فلسفة طبيعة توزيع الثروة، وما الذي أدى إليه كلٌّ منهما عند التطبيق، فيذكر كيف أن الرأسمالية تفتح المجال أمام التنافسية، لكنها قد تفضي إلى التفاوت الحاد في الدخل، بينما تسعى الاشتراكية إلى تقليص الفوارق، لكنها قد تؤثر على دوافع الإنتاج، ويستشهد على ذلك بإحصاءات ودراسات تبين نتائج كل نهج في الدول التي أخذت به.
مقارنة بين التصنيفات الستة للمقالات:
يطول الشرح إن وضحنا فروقات ما في الأعلى، فغالبًا إن كُنت تقرأ بتركيزٍ فقد عرفت بالفعل، ومع ذلك سنوضح الفروقات بين التصنيفات الستة، مُعتمدين على جدول تفصيلي يوضح الاختلافات الأساسية بين كل نوع من أنواع التصنيف.
- التصنيف حسب الغاية:
- التصنيف حسب النوع البلاغي:
- التصنيف حسب طبيعة الطرح:
- التصنيف حسب الجمهور:
- التصنيف حسب وسيلة النشر:
- التصنيف حسب المنهجية:
كيف نقدر على التمييز بين التصنيفات؟
- التصنيف حسب الغاية هو الأهم عند تحديد سبب كتابة المقال، بينما التصنيف حسب النوع البلاغي يحدد الطريقة الأدبية أو البلاغيّة التي سنكتب بها المقال.
- التصنيف حسب طبيعة الطرح يُركز على ما إذا كان المقال ذاتيًا أم موضوعيًا، وهو مرتبط بشدة بأسلوب الكاتب ومدى تدخله في تفسير الموضوع.
- التصنيف حسب الجمهور ضروري عند تحديد القارئ المستهدف، حيث تختلف المقالات الأكاديمية عن المقالات العامة أو الصحفية.
- التصنيف حسب وسيلة النشر عملي جدًا في العصر الحالي، خاصة مع انتشار المقالات الإلكترونية والمدونات، وهو مرتبط مباشرة بطريقة وصول المحتوى للقراء.
- التصنيف حسب المنهجية مُهم جدًا للأعمال البحثية والتحليلية، حيث يُحدد كيف يتم بناء المقال واستعراض الأدلة والمنطق.
متى نستخدم كل تصنيف؟
- إذا أردت معرفة لماذا كُتب المقال؟ استخدم التصنيف حسب الغاية.
- إذا كنت تهتم بكيفية التعبير؟ استخدم التصنيف حسب النوع البلاغي.
- إذا كنت تريد تقييم مدى الحياد أو الذاتية؟ استخدم التصنيف حسب طبيعة الطرح.
- إذا كنت تحدد لمن يوجّه المقال؟ استخدم التصنيف حسب الجمهور.
- إذا كنت تفكر في أين سينشر المقال؟ استخدم التصنيف حسب وسيلة النشر.
- إذا كنت تريد معرفة كيف يُكتب المقال؟ استخدم التصنيف حسب المنهجية.
السؤال الأخير: هل يمكن أن ندمج بين التصنيفات؟
طبعًا يُمكن ذلك، فبعد كُل شيء تُعتبر أغلب المقالات تقع ضمن أكثر من تصنيف في آنٍ واحد.
وإن أردت مثالًا ففي مقالٍ نشرته بتاريخ 29 ديسمبر 2024 يشرح: مفهوم العَدميَّة وتعصب الرَّأي (للقراءة اضغط هنا)، كان التصنيف كالآتي:
- مقال تحليلي (حسب المنهجية).
- حول العدمية وتطورها التاريخي (حسب الغاية).
- باستخدام أسلوب نقدي وتحليلي (حسب النوع البلاغي).
- يستهدف المهتمين بالفلسفة والتاريخ (حسب الجمهور).
- وينشر عبر مدونة إلكترونية (حسب وسيلة النشر).
هذا هو الجزء الأول من الدورة الثانية ضمن دورات "كون" حول فن المقالة، بقلم محمد رمضان السيد، مدير موقع "كون" ومُقدِّم دوراته.
![]() |
| فريق كَوْن للمقالات. |

