![]() |
| كيف تنشأ علاقات المرء من المهدِ حتى المشيب؟ |
جوهر النرجسية وحقيقتها:
أن يُحب الإنسان نفسه ليس سببًا كافيًا للحكم عليه بالنرجسية، وإنما أن يُعظِّم ذاته ويستعلي بها على الآخرين، وأن يرى استحقاقه الحبَّ أمرًا بديهيًّا؛ فهو الرجل الكامل المتكامل، أو المرأة المثالية التي لا يعلوها بشرٌ في مثاليتها.
هنا -عند الوصول إلى ضمان الحب والاهتمام- ينفصل الإنسان عن الناس، فيكونون مجرد أدوات لرغباته، لا أناسًا يشاركونه في علاقاته، ويقول د. عماد:
"إذا كان مضمون الحب أدَّى إلى الانفصال عن الناس، فإن النقص يؤدي إلى الرغبة، التي تؤدي إلى الحركة."
فالرغبة في الوصول إلى حب الآخرين، وتقبُّلهم، واهتمامهم بنا تؤدي إلى الحركة والفعل، لا إلى السكون والانفصال التام.. ورغم هذا، فليس كل نرجسيٍّ مضطربًا، بل للنرجسية أنواعٌ عدة، ويُمكن أن تكون شيئًا من ثلاثة:
- مرحلة نمو طبيعية.
- اضطراب متكامل.
- دفاع نفسي ضد عدم الأمان (insecurity).
كيف للنرجسية أن تكون أمرًا عاديًّا، بل ومرحلة طبيعية للنمو؟
في الحقيقة، أيُّ علاقةٍ في حياة الإنسان -أُسرية، صداقة، شريك حياة...- تبدأ عوامل نشأتها منذ الصغر، أو لأكون أدقَّ منذ الولادة! فكيف تنشأ العلاقات منذ البداية؟
مراحل نمو العلاقات لدى الأطفال:
بمجرد أن يعبر الطفل حياته داخل بطن أمه، ويستشعر اختلاف المكان، وغياب الدفء، وولادة صخبٍ غريبٍ في حياته، في هذه اللحظة الأولى من استنشاق هواء العالم، يبدأ في البحث عن تلبية احتياجاته، وبناءً على حبه الفطري والمنطقي لأمه البيولوجية، تكون هي الشخص الأنسب لهذه المهمة!
إذا وضعنا هذا الإحساس بالأُلفة والانجذاب -الذي تكوَّن بشكلٍ طبيعي نتيجة قضاء الطفل شهورًا في بطن أمه، يسمع دقات قلبها، ويشعر بكل حركة وسكنة داخلها، ويتأثر بمزاجها، ويمتزج بها امتزاجًا كبيرًا- جانبًا، سنرى أن الأم للطفل وظيفةٌ في المستوى الأول؛ فاحتياجات الطفل تُلبِّيها أمه، وغياب الأم يعني غياب احتياجاته بشكل أو بآخر، فحتى الأمان الذي يستمده منها هو احتياج.
فيمرُّ الإنسان منذ ولادته بثلاث مراحل أساسية ليتكوَّن لديه مفهوم العلاقات، وحب الآخر، والاعتراف به كإنسانٍ لديه احتياجاتٌ وعليه واجباتٌ أيضًا، وهذه المراحل هي:
- الرضيع (مرحلة النرجسية الطبيعية).
- المرحلة المِعبرية.
- مرحلة الآخرية.
المرحلة الأولى "الرضيع":
في هذه المرحلة، يكون التمحور حول الذات وتقديم احتياجاته على احتياجات الآخرين ظاهرًا للغاية، ولدى الأطفال طرقٌ عديدة ليُعبِّروا عن رفضهم لأي شيءٍ ضد إراداتهم ورغباتهم، كالبكاء والصراخ، فيقول د. عماد:
"إذا سألنا: من هو أعظم نرجسي؟ فالإجابة: نحن في هذه المرحلة."
المرحلة الثانية "المرحلة المِعبرية":
يمكن تسمية هذه المرحلة بالرمزية؛ لأن الطفل يبدأ باستشعار غياب الأشخاص والأشياء، وإسقاط هذا الشعور المفتقد على أشياء أخرى.
كمثال: تمسُّك الطفل بوشاح أمه عند غيابها قد يُهدِّئه نوعًا ما، فهنا استشعر الطفل غياب الأم، ونقل شعور الأمان إلى الوشاح! ففي المرحلة الأولى، الغياب يعني الفناء، أما في الثانية، فالغياب شيءٌ مؤقت.
المرحلة الثالثة "مرحلة الآخرية":
يقول د. عماد إن هذه المرحلة هي مرحلة المفاوضات، والعلاقات بالتسوية، والحب الناضج؛ إذ يدرك المرء حدوده، وأن لكل إنسانٍ احتياجاته الخاصة، ويعلم متى عليه أن يتواجد، ومتى يُفسح المجال للآخر.
ولكن تذكَّر أن الدنيا خاليةٌ من المثالية، فلا وجود لهذه المراحل بهذا الشكل المتناسق المثالي؛ بل تتداخل المراحل، وتقضي كل مرحلةٍ وقتًا، ربما سنوات، لتبدأ مرحلةٌ جديدة بالنمو.
بعد فهمنا لهذه المراحل نوعًا ما، يُمكننا أن نتعرَّف على مفهوم الحب، وأنواع العلاقات المختلفة؛ فهذه المراحل هي البذرة التي تنمو لتُشكِّل حبًّا ناضجًا أو مَرَضيًّا... فما هو الحب الصحي؟
هل الحب الصحي بلا مقابل؟
الحبُّ الصحيُّ الحقيقيُّ الناضج يقوم على عطاءٍ ومقابل، لا على استهلاكٍ واستنزافِ أحد الأطراف، في الواقع، لا بد من مقابل في الحب، أيًّا كان نوعه -حبًّا أُسريًّا، أو أخويًّا، أو بين الأصدقاء، أو في الزواج- وأيًّا كان نوعُ هذا المقابل؛ فقد يكون مادةً ملموسةً أو معنويًّا ضمنيًّا خفيًّا، كالراحة، والأمان، والسعادة مثلًا. يقول د. عماد:
"لا يوجد إنسانٌ على وجه الأرض يعطي بلا مقابل، بل حتى العطاءُ الذي يظهر أنه بلا مقابلٍ يمنح النفس شعورًا بالرضا!"
ويُبرهن على ذلك قولُ النبيِّ ﷺ:
"أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ".
فالجنةُ التي نسعى إليها بطاعة اللهِ، هي مقابلٌ لحبِّنا له وطاعتِنا،ومع ذلك، يستطيع الإنسانُ -استثناءً وفي أوقاتٍ معينة- بعد رصيدٍ من الحبِّ أن يستعلي على فكرة المقابل، ويفهم عدم قدرة الآخر على العطاء في لحظةٍ بعينها، فيمنحه بلا مقابل.
ويقول د. عماد:
"لا علاقة بلا مردود؛ أنا وأنت نفعل الكثير من أجل مَن نحب، رغم أننا لا نحبُّ ما نفعله!"
والحقيقة أن الصورة النمطية المثالية عن الحبِّ ليست سوى انعكاسٍ لصورةٍ مرضيَّةٍ منه، وهي "الخضوع"، فإذا كان الحبُّ صحيًّا، لم يكن خضوعًا لطرفٍ، ولا تعظيمًا للذات، بل علاقةً متوازنةً سليمة.
أنواع العلاقات الإنسانية:
تنقسم العلاقاتُ، على اختلاف أشكالها، إلى ثلاثة أنواعٍ رئيسة:
- علاقات صحيَّة.
- علاقات مُرهِقة.
- علاقات مُؤذية.
وجميعنا نبحث عن العلاقة الصحية، لكن ما هي؟ وعلى أيِّ أساسٍ تُصنَّف كذلك؟ بل، هل للعلاقات الصحية وجودٌ من الأساس؟
أولًا: العلاقات الصحيَّة:
في الغالب، نزعم أننا في علاقاتٍ صحيَّة، فنُغمِض أعينَنا عن فجواتها، أو نُبرِّرها، ونخلق الأعذار، ونضع حجابًا بيننا وبين كلِّ ما يكدِّرُ صورتَها في أذهاننا، وأحيانًا، نزعم العكس، فنراها علاقةً مؤذيةً حدَّ الهلاك، فنُلقي اللومَ كلَّه على الطرف الآخر، أو نحمل أنفسنا كلَّ وزرِ فسادها، متناسين أننا طرفان، وأن نسبة الخلل قد تكون متساويةً بيننا.
يُعرِّف د. عماد العلاقةَ الصحيَّة بقوله:
"قدرة المرء على أن يتجاوز أنانيته أحيانًا من أجل الآخر، لكنه ما زال محتفظًا باستقلاليته، ويستطيع أن يعود إلى نفسه دون أن ينصهر تمامًا في الآخر، فيحقق احتياجاته النرجسية مع القدرة على الاستعلاء عليها."
إذا أمعنَّا النظر في هذا التعريف، سنقفُ على عدة أمور:
- "ما زال محتفظًا باستقلاليته، ويستطيع أن يعود إلى ذاته دون أن ينصهر تمامًا في الآخر": هذا، في جوهره، تعريفٌ للحبِّ الحقيقي؛ أن يختارَ الإنسانُ شخصًا ليكون شريكًا له، فيشاركه حياته، لا أن يُبتلَع أحدهما في الآخر، أو يُصبح رهينةً بين يديه.
- "فيحقق احتياجاته النرجسية مع القدرة على الاستعلاء عليها": قد يخيَّلُ إلينا أننا نتحدث عن شخصٍ نرجسيٍّ، لكن في الواقع، نحن نصف إنسانًا طبيعيًّا غيرَ مضطرب. فالفرد يعيش بمسارين:
- المسار النرجسي: وهو شعور الفرد باستحقاق التقدير، والاهتمام، والاحترام، والحبِّ، والأمن.
- المسار الآخري: وهو الاعترافُ بأهمية الآخر واحترامُه كإنسانٍ مستقلٍّ بذاته.
ففي العلاقة الصحية، يدرك الإنسانُ قيمتَه وقيمةَ الآخر، دون تعظيمٍ لأحدِهما أو تهميشٍ للآخر، ومع ذلك، تنشأ في بدايات العلاقات مخاوفُ من الفقد، تدفعُ بعضَهم إلى التمسُّكِ الزائد بالآخر، فهل يُفضِّلُ الإنسانُ أن يبتعد ليضمن بقاءَ الآخر، أم يتشبَّثَ به ليحميه من الفقد؟
الخوف من الفقدِ، في جوهره، خوفٌ من الوحدة.. فمَن لا يستطيع مواجهة العالم وحده، يتحوَّل خوفُه إلى هَوَسٍ تشبُّثي، ما قد يخلق علاقةً مُرهِقة، ويقول د. عماد:
"الثبات الوجدانيُّ والاستقرارُ النفسيُّ دون الاستناد التامِّ على وجودِ آخر، يُخففُ كثيرًا من خوفِ الفقد المرتبط بعدم القدرة على مواجهة العالم."
ومع ذلك، لا وجودَ لعلاقةٍ صحيَّةٍ مثاليةٍ بالكامل، فكما أقررنا بعدمِ المثالية المطلقة، علينا أن نُقِرَّ بأن الصورة الوردية للعلاقات غيرُ موجودةٍ تمامًا، لكن يكفي أن تكون العلاقةُ قريبةً من هذا النموذج، فإذا كانت العلاقةُ نقطةَ انطلاقٍ جديدة، ومنبعَ طاقة، وحيِّزًا آمنًا لا يحتكر الطاقاتِ والقدرات، ولا يُعطِّلُ الوظائفَ الحيويةَ للإنسان، فهي علاقةٌ صحيَّةٌ تستحقُّ السعيَ إليها.
ويؤكد د. عماد ذلك بقوله:
"داخل كلِّ علاقةٍ صحيةٍ فجوةٌ -النقصُ الأساسيُّ الذي تحدثنا عنه في البداية- لا يمكنُ عبورها، شيءٌ مفتقدٌ، وبدونِ هذا الافتقاد لن توجد الرغبة، فلن تتحرك العلاقة."
فمتى تتحول العلاقة من صحية إلى مُرهقة؟
ثانيًا: العلاقات المُرهِقة:
يُعرِّف د. عماد العلاقةَ المُرهِقة بقوله: "العلاقةُ التي تستنزفُ بعضَ الطاقة التي يُمكن أن تُستثمر في مساحاتٍ أخرى؛ نتيجة اضطرابٍ عند أحد الطرفين، أو في ديناميَّة التواصل داخل العلاقة."
فالعلاقةُ المُرهِقةُ -وهي الأكثر شيوعًا- تقومُ بين طرفينِ لكلٍّ منهما مشاكله الخاصة، التي قد تُؤدِّي إلى ما يُعرف بـ"نبوءةٍ تُحقِّقُ ذاتها".
ولتوضيح الفكرة، يُقدِّمُ د. عماد المثالَ التالي:
إذا كان هناك زوجٌ يعاني من خوفٍ شديدٍ من الفقد، واستيقظ ذاتَ يومٍ بعد أن رأى حلمًا بأن زوجته تركته، فبدأ هاجسُ الخيانةِ يُطارده، وبدأت تصرفاته المهووسة تتكشَّفُ لها، فشعرتِ بالضيقِ والاختناق، فانتهى الأمرُ بهما إلى الانفصال، فتحقَّقت نبوءةُ الزوج، لكن السببَ في تحقُّقِها كان أفعالَه الناتجة عن تصديقِه لهاجسٍ لم يكن في بدايته سوى وهمٍ.
وليس بالضرورة أن تتضمَّن كلُّ علاقةٍ مُرهِقةٍ هذه "النبوءة"، بل في بعض الأحيان، يكون الإرهاقُ نتيجةً طبيعيةً لنقصِ الكمالِ في أيِّ علاقة، فيقول د. عماد:
"ليس هناك حدٌّ فاصلٌ تمامًا بين العلاقة الصحيَّة والعلاقة المُرهِقة؛ ففي كلِّ علاقةٍ فجوةٌ، لكن الفكرةَ في حجمِ تلك الفجوة."
ثالثًا: العلاقات المُؤذية:
أما العلاقةُ المُؤذية، فهي الأسوأ؛ إذ تستنزفُ الإنسانَ حدَّ التدمير، فتُعطِّل وظائفَه، وتُدمِّرُ احتياجاتِه الأساسية، فتبتلعُ علاقاته، وشغفه، وأهدافه، حتى يغدو رهينةً لا حولَ له ولا قوة.
فإذا كان من المنطقي أن يتجنب المرءُ الألم، فلماذا قد يستمر في مثل هذه العلاقات؟ الجواب ببساطة: أن العلاقة المؤذية هي أصعب علاقة يمكن الاستغناء عنها، وهي أمتن أنواع العلاقات، وذلك لسببين:
أسباب التمسك بالعلاقات المؤذية:
- السبب الأول للتمسك بالعلاقة المؤذية:
أن العلاقة المؤذية لا تكون مع الطرف الآخر فحسب، بل مع جزء قديم كامن في داخلي، يُعاد إحياؤه وإسقاطه على العلاقة الحالية، فأن تكون في علاقةٍ مؤذية قد يعني أنك مضطربٌ أصلًا، فأنت أسيرٌ لماضٍ لم يتركك تمضي، عالقٌ في موقفٍ قديم، مشكلةٍ لم تُحلّ، وتظن أن عليك حلّها الآن.
كمثال: فتاة عانت التجاهل من والدها، دائمًا كان لديه ما هو أهم منها، طفولتها تتلخص في لهثها وراء اهتمام أبٍ غير مكترث، ومحاولات جذب الانتباه، والحصول على ثناءٍ وسط الكثير من التعليقات السلبية.
هذه الفتاة تكبر، وأثناء رحلتها في الحياة تصطدم بالكثيرين، إلا أنها لا تنجذب إلا لأولئك الذين يُشعرونها بنفس المشاعر السابقة من التجاهل وعدم الاكتراث بأمرها، فتحاول بأقصى ما لديها أن تجعل غير الآبه بها مهتمًا ومحبًا لها، وكل هذا بلا وعيٍ منها.
ذكر د. عماد قول فرويد:
"نحن لا نحب الأشخاص الذين نقابلهم، بل نحب هؤلاء الأشخاص القابعين في لا وعينا."
فيقوم الإنسان بتخليق نفس الظروف القديمة بغية الحصول على نتيجة مختلفة، ولكنها لا تحدث، ولن تحدث.
- السبب الثاني للتمسّك بالعلاقة المؤذية:
أن الأشياء المليئة بالانفعالات يُضاف لها مشاعر وجدانية!
العلاقة المؤذية علاقة بندولية، كما أطلق عليها الدكتور؛ فهي تتأرجح بين قمة اللذة وقمة الألم.. فلحظة رضا الآخر قد تشعرك أنك تعانق عنان السماء بمجرد كلمةٍ أو نظرة، وهي قادرة كذلك على اجتثاث أي شعورٍ بالسعادة والراحة اجتثاثًا مؤلمًا، ولكنك تحتمل هذا الألم الشديد في سبيل أن تُهدى تلك اللحظات من اللذة، فتصبح العلاقة في قالبٍ أشبه بالإدمان، انخلاعك عنها صعبٌ للغاية، وبقاؤك يستنزف كلّ طاقاتك وحياتك.
وقد يكون هذا البقاء تجسيدًا لمتلازمة ستوكهولم، وهي استجابة نفسية، يتعاطف فيها الضحية مع الجلاد، والرهينة مع المختطف، فيلبي له احتياجاته برضاه، ويبذل جهده في ذلك.
علاقة التمسّك بالعلاقات بالنرجسية والإيذاء؟
إذا افترضنا وجود علاقةٍ بين شخصين: نرجسيٍّ وآخر، كيف تقوم هذه العلاقة؟
الطرف الثاني: أحيانًا يكون حبه لشريكه حبًّا هوسيًّا، وهو في الحقيقة نرجسية مقلوبة، والنرجسية المقلوبة عبودية مختارة، بأن يُقدم كل ما لديه لنرجسي فيعترف به، فيؤمن بعظمته نتيجة حبِّ شخصٍ عظيمٍ له، فيصبح كلاهما أسيرًا لدى الآخر؛ النرجسي يأسر الآخر، والآخر يغدق عليه عطاءً حتى لا يستطيع أن يغادره.
النرجسي: النرجسي في حقيقته هو شخصٌ خائفٌ ومضطربٌ للغاية، هشٌّ جدًا، ولديه شعورٌ عميقٌ لا واعٍ بالخزي، وهو شخصٌ متألمٌ بالفعل، لكنه لا يسمح لنفسه بمواجهة هذا الألم.
كلٌّ منا لديه صورة من ذاته المثالية التي يسعى إلى الاقتراب منها بشكل مستمر، وهذا يؤدي إلى العمل والتطور، وتبقى هناك فجوة بين ذاتنا الحالية وصورة ذاتنا التي نسعى إليها، وهذا طبيعي، بل لا بدّ منه.
لكن النرجسي لا يرى تلك الفجوة، بل يرى أن ذاته الحالية هي الذات المثالية، ويرى أن الآخر ليس أكثر من وظيفة، شخص يمده باحتياجاته ليس إلا، وإذا توقف هذا المدد ضغط عليه ليعود، وإن لم يحدث، ألقى به ليبحث عن آخر ليقوم بتلك الوظيفة، فإذا نظرنا إلى هذه التركيبة للنرجسي، ماذا تعتقد أنها "نقطة ضعفه"؟
نقطة ضعف النرجسي!
- النقد.
- المواجهة بالحقيقة.
النرجسي شخصٌ عاش حياته متواريًا خلف كذبة كبيرة اختلقها وصدقها وعاش على أساسها، فمواجهتك له، ونقدك إيّاه، يعني هدم حياته كليًّا، فإن حدث ذلك، يتطلب الأمر البحث بجهدٍ عن علاجٍ للنرجسية.
علاج النرجسية:
في بعض الأحيان ينهار النرجسي إذا تعرض لحقيقته النرجسية، فيصاب بالارتياب وجنون العظمة، وقد يؤدي ذلك إلى اكتئاب شديد، فيظن أن أي شيء، مهما كان تافهًا، هو تقليلٌ منه، وقد يرى أن مدح الآخرين ذمٌّ له، والجدير بالذكر أن هذا قد ينتج عن الغيرة المرضية، التي هي شكلٌ من أشكال النرجسية.
وهذا لا يختصّ بالضرورة بأصحاب اضطراب النرجسية، بل أيًّا ممن يعانون عدم الأمان الداخلي قد يصابون بهذه الأعراض؛ فعدم الأمان يخلق الظنّ بأن نيل الآخرين للمحبة يمنعها عنهم.. وهذا شائعٌ كثيرًا.
"والغريب أنه رغم شيوع الكثير من سمات النرجسية وشهرتها، إلا أن نسبة وجود أشخاص مصابين باضطراب النرجسية تمامًا لا تتجاوز ٣٪ فقط."
انهيار النرجسي بعد صدمته القوية قد يكون نقطة بداية العلاج؛ لأنه يُدرك فجأة أنه كان يعيش كذبة، ولكن:
هل للنرجسية علاجٌ مُعين؟
لا شك أن لكل داء دواء، ومع ذلك فإن علاج النرجسية من أصعب العلاجات، فهذا الشخص قد مارس الخديعة تجاه ذاته لسنوات، ويعتقد أنه في غنى عن سواه، فكيف يطلب المساعدة من معالج أو طبيب؟
إذا اعترف النرجسي بحقيقته، ورأى أنه ضعيفٌ محتاجٌ للغير، وأن لدى الغير ما يفتقر إليه هو، فقد تبدأ مرحلة العلاج التي تحتاج إلى إقرار واعتراف.
من هو الشريك المؤذي؟
يقول د. عماد: "الشخص الوحيد الذي يمكنك تغييره في هذا العالم، هو أنت، إذا استطعت!"، وعلى هذا، فلا يمكنك أن تُغير شخصًا لا يريد أن يتغير بالأساس.. فهل تنهي علاقتك معه، أم تبذل جهدك في طريق مسدود؟
طرح د. عماد أمرين عليك أن تتحلى بهما:
- حل مشاكلك القديمة.
- التحلي بالتعافي الذي يقوم على وضع الحدود.
- تحسن في العلاقة، وتعافي باقي الأطراف.
- انهيار العلاقة وانتهاؤها.
"لا يُشترط الترتيب في هذه المراحل، وتختلف المدة من شخص لآخر."
- مرحلة الإنكار.
- مرحلة الغضب.
- مرحلة المساومة.
- مرحلة اليأس والاكتئاب.
- التجاوز والتقبل.
كيف يعيش الإنسان بين الآخرين؟
علينا أن نعي حجم الفجوات بيننا وبين الآخرين، وأن ندرك كيف تؤثر مرحلة الطفولة على حياةٍ بأكملها، أن نبدأ بتتبع ثقوبنا، سدّها بالشكل الصحيح، ومعالجتها.
لا حياة كاملة، بل إن الكمال يفسدها، وإن لم يُحبط الأطفال بقدرٍ ما في طفولتهم، كبروا ليصطدموا بحقيقة العالم، وبأن عليهم أن يواجهوا الكثير، وأن يحملوا مسؤوليتهم فوق عاتقهم.. فلا وجود لشخصٍ دائمٍ يرعاك ويُبعد عنك مثقال ذرةٍ من أذى.. فأنت هنا في هذا العالم في رعاية الله، استعن به، وخذ بالأسباب، تعلّم، وتوكل عليه.
![]() |
| فريق كَوْن للمقالات - Con Articles Team |

