المقدمة: أعظم فتنة على وجه الأرض:
جميعُنا نعلم أن فتنة المسيح الدجال هي أكبر فتنة تحدث على وجه الأرض حينما يخرج الدجال، لكن هل سألتم من قبل: من أين سيخرج؟ وأين يوجد على وجه التحديد؟ وكيف سيكون حالك عندما تعلم أنه محبوس على جزيرة نائية معنا على كوكب الأرض؟ بل والأغرب أن هناك من رآه وتحدث معه وأخبره أنه أوشك على الخروج من محبسه.
![]() |
| خبر حديث الجساسة: قصة الصحابي تميم الدارِي. |
من هو تميمُ الداريُّ؟
هو تميمُ بنُ أوسٍ الداريُّ اللَّخميُّ، واللَّخميُّ نسبةٌ إلى قبيلةِ لخم، وهي من قبائلِ اليمن العريقةِ التي نزحت إلى الشام بعد خرابِ سدِّ مأربَ، فتفرَّقت في أرجائه، فمنهم من سكنَ هضابَ الجَولان، ومنهم من نزل جنوبَ فلسطينَ ومناطقها الشرقيَّة، حتى عُرفت إحدى مستوطناتهم باسم "بيت لخم"، ثم تحرَّف الاسم مع تعاقب الألسن إلى "بيت لحم".
وقد تأثر اللخميونَ بمخالطة أهلِ الشام، فاعتنق بعضُهم النصرانيَّة، وظل آخرون على عبادة الأوثان والأفلاك.. وأما تميمٌ، فكان من أولئك الذين خاضوا في عقيدتهم، يبحثُ عن اليقين، حتى أظله الإسلامُ بنوره.
فلنمضِ في حديثه، ونقف على معالم حياته قبل الإسلام، وكيف تبدَّلت أحواله بعد أن أشرقت عليه شمس الهداية.
المصدر: صفة الصفوة لابن الجوزي.
حياة تميم الداري قبل الإسلام:
كان تميم منذ نعومة أظفاره موئلًا للنبوغ، ذا عقل راجح، فاعتنق النصرانية وراح ينهل من علومها حتى أمعن النظر في كتبها وأحاط بأسرارها، ففاق كثيرًا من القساوسة والبطارقة، وبلغ منزلةً رفيعةً بينهم، فصار راهبًا وأميرًا لهم، غير أن الله قد أذن له بالهداية إلى الإسلام، وهو ما سنكشف عنه لاحقًا.
كيف اعتنق الإسلام وماذا قال له النبي ﷺ؟
أسلم تميم الداري في السنة التاسعة للهجرة، وكان أول من دان بالإسلام من أهل فلسطين، بل سبق إسلامه الفتحَ الإسلاميَّ لبلاده، فقد وفد إلى النبي ﷺ وبايعه على الإسلام، وقال:
"يا رسول الله، إن الله مظهرك على الأرض كلها، فهب لي قريتي من بيت لحم" فأجابه النبي ﷺ بقوله: "هي لك." وكتب له بها كتابًا موثقًا.
وقد كان إسلامه فتحًا ونورًا، ليقول عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
"تميم الداري كان من السابقين الأولين من أهل الشام، حسن الإسلام، عظيم الورع."
المصدر: سير أعلام النبلاء/ تميم الداري.
حياة تميم الداري بعد الإسلام:
مكث تميم في المدينة المنورة أكثر من خمسة وعشرين عامًا، وقد كان في زمن الفتوحات الكبرى وقتما انشغل الصحابة بالجهاد، ولم يكن يحفظ القرآن كاملًا إلا نفرٌ قليل، وكان تميم في طليعة هؤلاء، حتى إنه كان يقرأ القرآن كله في ركعة واحدة.
وقد أشار الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات إلى عظيم عبادته فقال:
"كان تميم بن أوس من الزهاد القوامين، الذين لا ينامون من الليل إلا قليلًا."
وبعد مقتل عثمان بن عفان، رحل إلى فلسطين سنة ٣٥هـ، فتولى إمارة بيت المقدس، وكان أحد الأئمة الثلاثة الذين نصَّبهم عمر بن الخطاب، وكان إلى جانب ولايته رجلَ علمٍ ونصح، ففي مرةٍ استأذن عمر أن يحدّث الناس ويقصّ عليهم، فأذن له، فكان أول من قصَّ في الإسلام.
وقد أشار ابن كثير في البداية والنهاية إلى هذه السابقة العظيمة بقوله:
"هو أول من قصّ في الإسلام، وكان حسن الحديث، مؤثرًا في النفوس، يجمع بين الحكمة والموعظة الحسنة."
كما أنه أول من أسرج السراج في المساجد، فكان له فضل السبق في إنارتها، فظل على هذا النهج حتى وافته المنية سنة 40هـ، فدُفن في أرض فلسطين، تحديدًا في بيت جبرين، حيث بقيت ذكراه عَطِرة بين أهلها، تشهد له بالصلاح والزهد والعلم، كما قال الإمام ابن حجر العسقلاني في الإصابة في تمييز الصحابة:
"تميم الداري من خيار الصحابة، كان عابدًا، قانتًا، كثير الذكر، وكان النبي ﷺ يحبه، فأكرمه الله بخاتمة حسنة."
حديث الجساسة: القصة التي حيّرت المسلمين.
دعوني أسوق إليكم قصةً من أعجب ما روي في التراث الإسلامي، قصةً لو لم تكن مسندةً في صحيح مسلم، مشفوعةً بروايات متواترة، لكانت ضربًا من العجب المستحيل، بيد أن ثبوتها في أصحِّ الكتب بعد كتاب الله، وورودها عن غير واحدٍ من الصحابة، يجعلها حقًّا لا مراء فيه، وإن نازع في ذلك بعض أهل التشكيك.
وقد جاءت هذه الرواية عن فاطمة بنت قيس، غير أنها لم تكن الوحيدة في نقلها، فقد وردت كذلك عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، مما يزيدها توثيقًا وتأصيلًا في سجل الروايات الصحيحة.
رواية فاطمة بنت قيس لحديث الجساسة:
تقول فاطمة بنت قيس أنها في يوم سمعت نداء المنادي -منادي الرسول صلى الله عليه وسلم- ينادي: "الصلاة جامعة."وكانت تلك عادة من الرسول حينما أراد إخبار الناس بشيء أو بأمر طارئ يرسل المنادي يخبرهم أن الصلاة جامعة.
فخرجت فاطمة وصلّت صلاة العشاء خلف الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت في صف النساء التي تلي ظهور الرجال وكان وقتها لا يوجد مصلى للنساء ومصلى للرجال منفصلين، بل كانوا ينتظرنّ إكتمال صفوف الرجال، ثم يصطفوا خلفهم وعلى الأرجح أن فاطمة ذكرت تلك التفصيلة حتى توضح أنها كانت تسمع الرسول صلى الله عليه وسلم بوضوح، فلما انتهى صلى الله عليه وسلم من الصلاة جلس على المنبر وهو يضحك وأخبرهم أن يلزموا مقاعدهم لكي يخبرهم بشيء هام، وكان ضحك صلى الله عليه وسلم وقتها لأنه يعلم بأن ما سيحدثهم عنه أمر عجيب وأنه حدثهم مثله من قبل.
فسألهم هل يعلموا لما جمعهم اليوم؟ فأجابوه بأن الله ورسوله أعلم.. فقال لهم أنه لم يجمعهم لتوزيع غنائم أو يخبرهم بأن عدو قادم، ولكن جمعهم ليخبرهم بأن تميم الداري كان نصرانيًّا وجاء وبايعه وأسلم وأنه حكى له حديثًا يطابق حديثه لهم عن المسيح الدجال الذي حدثهم به من قبل.
المصدر: الحديث من صحيح مسلم برواية فاطمة بنت قيس.
رواية تميم للنبي ﷺ لحديث الجساسة:
روى له أنه ركب سفينة مع ثلاثين رجل من لخم وجذام، وهم قبائل يمنية مستوطنين في فلسطين مثل قبيلة لخم كما ذكرت مسبقًا، وأنه لعب الموج بهم شهرا كاملا في البحر ما بين الأمواج الشديدة والعواصف، وفقدوا السيطرة بالكامل على السفينة، ولا يعلموا أين هم ولا إلى أين أطاحت بهم الأمواج، حتى استطاعوا أن يرسوا بالسفينة إلى جزيرة نائية وانتظروا حتى غروب الشمس، فجلسوا في القوارب الصغيرة التي تكون ملحقة بالسفن الكبيرة ودخلوا الجزيرة، فأول ما دخلوا قابلهم ما جعلهم يرتعبوا؛ دابة أهلبٌ كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر.
فقالوا في فزع: ويلكِ ما أنتِ؟
ومن الأعجب أن الدابة ردت عليهم وقالت: أنا الجساسة، قالوا وما الجساسة؟ فأبت أن تجيب على سؤالهم.
لكن بعض العلماء قالوا:
أن الجساسة معناها أنها تجسس على البشر لصالح الدجال.
فقالت لهم أن ينطلقوا إلى الرجل في الدير، فإنه ينتظر خبرهم بالأشواق، ولما سمعوا منها أن هناك رجلًا يعيش على الجزيرة، فرّوا منها خشية أن تكون شيطانًا متجسّدًا في هذه الهيئة العجيبة، فانطلقوا سريعًا إلى الدير الذي أخبرتهم عنه، فلما دخلوه رأوا أعجب مخلوق قد تراه العين على الإطلاق، ومن يرهه يدب في قلبه الخوف والرعب؛ رجلٌ مُسلسل بالحديد والوثاق، مجموعةٌ يداه إلى عنقه بوثاق شديد الصلابة، وما بين ركبتيه إلى كعبيه سلاسل من الحديد والأغلال.
فهرعوا منه وسألوه في رعبٍ: من أنت؟ فأجابهم أنه لا مفرّ من الإجابة على أسئلتهم، وبما أنهم استطاعوا الوصول إليه، فإنه مُجبر على الإجابة، لكن في البداية يجب أن يجيبوه على أسئلته، فبدأ يسألهم: من هم؟ وكيف عرفوا الجزيرة؟
فأجابوه أنهم أناس من العرب، وكانوا يقتادون سفينة بحرية، ولكنهم فقدوا السيطرة عليها بسبب الأمواج والعواصف، ولعب بهم البحر شهرًا حتى وجدوا أنفسهم بالقرب من الجزيرة، وتحدثوا مع تلك الدابة، فأخبرتهم أنها الجسّاسة، وطلبت منهم أن يذهبوا إليه في الدير، وأنه متلهف لمقابلة أي شخص من خارج الجزيرة، فجاؤوا إليه، لكنهم هرعوا منه خشية أن يكون شيطانًا.
فبدأ يسألهم عن علاماتٍ وأشياءٍ موجودة بالخارج، وأول ما سألهم عنه هو النخل الموجود في قرية بيسان، وهي قرية مشهورة بكثرة نخلها وثماره.. فسألهم:
هل ما زال نخلها يثمر؟
فأجابوه: نعم.
فأخبرهم أنه اقترب أن لا يثمر ثانيةً.
ثم سألهم عن بحيرة طبرية، وهي بحيرة مشهورة في منطقة الجليل شمال فلسطين، فقال:
هل ما زالت مليئة بالماء؟
فأجابوه: نعم.
فقال لهم: إن ماءها أوشك أن ينضب.
وقد فسر بعض العلماء هذا بأنه مرتبط بحديث يأجوج ومأجوج، حيث يمر أولهم على البحيرة ويشربون ما بها، ويمر آخرهم ويقول: "كان بهذه مرةً ماء!".
ثم سألهم عن عين زغر، وهي عين قديمة جدًا تقع جنوب بحيرة طبرية بالقرب من قرية أريحا في فلسطين، ويقال إنها سُميت "زغر" نسبةً إلى ابنةٍ من بنات سيدنا آدم عليه السلام، لكنها تُعرف حاليًا بعين السلطان.
فسألهم: هل ما زال في العين ماء؟ وهل ما زال الناس يزرعون منها؟
فأجابوه: نعم، إنها كثيرة الماء، ويزرع الناس من مائها.
وفي صحيح مسلم لم يُعلّق الدجال على هذا الأمر، لكن في رواية أخرى ليست بصحة حديث مسلم، ورد أنه قال: "إنه سوف يذهب ماء هذه العين، ولن يزرع منها أهلها بعد".
ونلاحظ أن جميع الأماكن التي سألهم عنها تقع في فلسطين، مما يدل على قدسيتها في الإسلام، كما أن نزول سيدنا عيسى عليه السلام من السماء سيكون هناك، حيث سيقابل الدجال عند بيت المقدس، ثم سيهرب الدجال، لكن عيسى عليه السلام سيلحقه، ويمسك به عند منطقة باب لُدّ، ويقتله، لينهي أعظم فتنة ستحدث على وجه الأرض.
وختم أسئلته بسؤاله عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقال:
"أخبروني عن نبي الأميين، ما فعل؟"
قالوا: "قد خرج من مكة وهاجر إلى يثرب".
فسألهم: "هل قاتله العرب؟ أي: هل حدثت بينهم حروب ومعارك؟"
قالوا: "نعم".
فسألهم: "ماذا فعل بهم؟"
فأجابوه: "لقد انتصر على معظم القبائل التي حوله، وكثيرٌ منهم دخلوا الإسلام وأطاعوه".
فسألهم مجددًا: "أصحيح ذلك؟ أي: بالفعل أن النبي صلى الله عليه وسلم انتصر على العرب وأطاعوه؟"
فأجابوه مجددًا: "نعم، بالفعل حدث ذلك".
فقال إجابة غريبة خرجت من شخصٍ أغرب؛ فالدجال في الأساس كافر، بل من أشد الناس كفرًا، لكنه يعلم أن الخير في اتباع الرسول، وهذا ما جعل تميمًا الداري يذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما رجع من رحلته، ليخبره بما رأى، فقال لهم الدجال:
"هذا خير لهم أن يطيعوه".
المصدر: حديث الجساسة من صحيح مسلم برواية تميم بن الداري.
اعتراف الدجال: "أنا المسيح!"
حين ألقى الصحابة أسئلته على الرجل المقيد، رد عليهم قائلًا: "أما وقد سألتموني، فاسمعوا جوابي.. أنا المسيح الدجال، ويوشك أن يُؤذن لي بالخروج، فأجوب الأرض طولها وعرضها، فلا أدع قرية إلا دخلتها، إلا مكة والمدينة، فإنهما محرمتان عليّ، وكلما حاولت دخولهما، اعترضني ملك بسيفه، فصدّني ومنعني من ولوجهما.
فلما سمع النبي ﷺ هذه الرواية من تميم الداري، ضرب منبره بعصاه وقال: "هذه طيبة! هذه طيبة! هذه طيبة!" - يشير إلى المدينة المنورة.
ثم قال لأصحابه: "ألم أخبركم بذلك من قبل؟"
فأجاب الصحابة بصوتٍ واحد: "بلى، يا رسول الله."
فزاد النبي ﷺ يقينهم قائلًا: "ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن... لا، بل من قِبَل المشرق! من قِبَل المشرق! من قِبَل المشرق!" وأشار بيده نحو المشرق، تأكيدًا لما أخبرهم به.
تحذير النبي ﷺ للمسلمين.
قد تبدو لك أيضا أنها أسطورة من الصعب تصديقها وأنها ليست بالحقيقة، لكنها واقعة حدثت بالفعل وصدق عنها أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم، محذرًا لنا من فتنة الدجال، التي أخبر بها ﷺ مرارًا وتكرارًا.
بل إن تميمًا الداري، لما روى هذه القصة، نال شرفًا لم ينله غيره، فلم يكن هناك صحابي قال عنه النبي ﷺ: "حدثني تميم!" سوى تميمٍ وحده.
فصلوات ربي وسلامه على سيدنا محمد، المبلِّغ الأمين، الصادق المصدوق، الذي ما نطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى.
![]() |
| فريق كَوْن بالعربي |

