الهايبرلكسِّيا: قراءة الرضيع.
من المُتعارف عليه أن الإنسان حينما يصل إلى مرحلة القراءة أو الكتابة يكون قد مر بعدة محطات حتى يصل إلى هذه النقطة، حيث يبدأ الإنسان في تكوين حصيلة لغوية في مقتبل العمر عن طريق: الاستماع إلى من فِي محيطه وهم يتحدثون، من ثم يبدأ في توظيف هذه الحصيلة اللغوية والمرادفات المكتسبة في التعبير عن ذاته، متطلباته، هويته، ثم يبدأ في القراءة، إلى أن يصِل إلى مرحلة الكتابة والإنشاء.
لكن في بعض الحالات يتفاجأ المحيطون بالطفل بتجاوزه مرحلة الحديث والتعبير عن الذات والانتقال للقراءة بطلاقة مباشرة؛ فهل يعد ذلك دليلًا على النبوغ والتفوق العقلي أم هي مشكلة تستوجب الالتفات والتقصي وراء حلولٍ لها؟
![]() |
| الهايبرلكسيا: اضطراب القراءة المفرطة في الطفولة. |
الهايبرلكسيا: فَرط القراءة.
وُصف مصطلح فرط القراءة عالميًا عام 1967، هو عندما يبدأ الطفل بإظهار شغف أو ولع بالقراءة، والأرقام، والأحرف في سن قبل السن الطبيعي لحدوث هذه العملية، حيث يبدأ الطفل في تهجيّ الكلمات قبل سن العامين وقراءة الجمل الطويلة قبل سن الثالثة رغم عدم فهمه لها.
وقد عرَّف الأخصائي النفسي "ألغون توفيكچي" من مركز أوسكودار الطبي، فرط القراءة على أنه: التعايُّش بين مهارات الفهم الضعيفة ومهارات القراءة المتقدمة، واكتساب مهارات القراءة في وقت مبكر عن المتوقع من العمر الزمني دون تعليم واضح، والتوجه القوي نحو المواد المكتوبة.
لكن يمكن أن يتوقع البعض أن ذلك يعد دليلًا قاطعًا على النبوغ العقلي أو السَبق، في حين أنه من الممكن أن يعد مؤشرًا وناقوس خطر ينبه على وجود مشكلة يجب الالتفات لها ومحاولة حلها؛ حتى لا يقع الطفل في براثن الانبهار الأعمى بكل ما هو غير مألوف وفائق للعادة.
فرط القراءة: هل هو نبوغ عقلي أم اضطراب نمائي؟
مفهوم الاضطراب: الاضطراب اِصطلاحًا: هو الخلل أو الخروج عن الطبيعي في الوظائف العادية أو الطبيعية لشيء ما ووجود نمط غير مألوف به إذا كان بالزيادة أو بالنقصان، وفي حالة الأطفال المصابين بفرط القراءة؛ فإنهم يُظهرون قدرة أعلى بكثير من مستوى المهارة المتوقعة في هذا السن على فك الكلمات، الرموز، الأرقام.
ولذلك يُعد فرط القراءة"الهايبرلكسيا"اضطرابًا نمائيًا.
ومن الجدير بالذكر أن أول من عرَّب هذا المصطلح وأسماه "اضطراب فرط القراءة النمائي"هو الدكتور المصري "محمد الحناوي"، وهو أول من قدم أول رسالة دكتوراه عربية تناقش هذا الاضطراب.
بعض الخبراء يعتقدون أن اضطراب فرط القراءة مرتبط بطيف التوحد، حيث أشارت الدراسات إلى أن 84% من مصابي فرط القراءة مصابين بالتوحد، و6%:14% من مصابي التوحد مصابين باضطراب فرط القراءة النمائي، وقد أشار الطبيب النفسي ومدير الأبحاث المتخصص في وبائيات اضطراب طيف التوحد دارولد تريفيرت إلى أن: فرط القراءة له عدة أنواع بعضها فقط يتداخل مع التوحد، وبالتالي تصبح القاعدة العامة في هذا الاضطراب النمائي أنه:
"ليس كل مصابٍ بالتوحد مصابًا بفرط القراءة النمائي وليس كل مصابٍ بفرط القراءة النمائي مصابًا بالتوحد".
ما هي أنواع اضطراب فرط القراءة؟
- فرط القراءة من النوع الأول:
في هذا النوع من أنواع فرط القراءة يبدأ الأطفال الطبيعيون في إظهار مهارة في القراءة في سن مبكرة تفوق أقرانهم بكثير؛ لكن غالبًا ما يصاحب هذه القراءة المبكرة فهمٌ.
يرى الخبراء أن هذا النوع من أنواع فرط القراءة لا يعد اضطرابًا نمائيًا ولا يستوجب العلاج؛ لأنه مؤقت، حيث سرعان ما يلحق أقران هذا الطفل به ويواكبونه.
- فرط القراءة من النوع الثاني:
الأطفال المصابون بفرط القراءة من النوع الثاني مصابين بطيف التوحد، حيث أنهم يُظهرون علاقات نموذجية أخرى لطيف التوحد مما يؤكد ارتباط هذا النوع من فرط القراءة بمرضى التوحد.
ويهتمون بالحروف والأرقام، ويفضلونها على الألعاب الأخرى وهذا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتوحد.
- فرط القراءة من النوع الثالث:
يُظهر هؤلاء الأطفال نتائج إيجابية واستجابة فعالة للعلاج؛ فتبقى بقايا ضئيلة جدًا من الأعراض أو تنعدم تمامًا بعد التدخل العلاجي مع مراعاة ضوابط أو أسلوب التعامل مع مصابي فرط القراءة.
أعراض اضطراب فرط القراءة النمائي:
أول الأعراض وأكثرها بروزًا هو:
- إظهار مهارات في القراءة في مستوى أعلى من المستوى الطبيعي دون فهم ما يُقرأ.
- ظهور أعراض من طيف التوحد مثل: مهارات اجتماعية ضعيفة، رغبة في الانعزال.
- مشكلات في مهارات التواصل حيث يتعلمون الحديث مُتأخرًا، وبشكل مجهد، تكون لغتهم العفوية ضعيفة.
- يجدون صعوبة شديدة في تعلم قواعد اللغة من خلال: الأمثلة، الأداء، التجربة.
والجدير بالذكر أن مستوى ذكاء الأطفال المصابين بفرط القراءة متوسط وفوق المتوسط، علمًا بأن كلمة متوسط تعني المستوى الطبيعي، حيث ذكر الدكتور المصري "محمد الحناوي" أن بعض المتفوقين عقليًا فاقدين القدرة على التحصيل الدراسي، وأن القدرة على التحصيل الدراسي لا ترتبط بالضرورة بالنبوغ العقلي؛ لكن ترتبط بالتخطيط، التكيف، إعمال العقل للتناسب مع الأجواء المحيطة والقدرات الراهنة. - يُظهرون علامات لاضطراب النمو مثل: مشاكل سلوكية، مشاكل في التآزر الحركي، مشاكل في طور العضلات والأربطة حيث يكون الطفل رخوًا.
أساليب العلاج والتعامل مع مصابي فرط القراءة:
المصابون بفرط القراءة من النوع الأول لا يحتاجون إلى التدخل العلاجي بالأساس؛ لأن الخبراء لا يعتبرونه اضطرابًا نمائيًا؛ بل مجرد حالة من القراءة المبكرة.
لكن الأطفال أصحاب فرط القراءة من النوعين الثاني والثالث بحاجة إلى التدخل العلاجي من قِبَل المتخصصين، وتحدث عملية تدخل المتخصصين على غرارٍ شتى ومنها:
علاج النطق واللغة:
يستخدم المعالج مهارة الطفل وقدرته على القراءة المبكرة في تعزيز نقاط شغفه وتطوير قدراته على التواصل والتعبير عن ذاته، هويته، واحتياجاته، ويقول الدكتور ألغون توفيكجي أخصائي الطب النفسي للأطفال والمراهقين من مركز جامعة أوسكودار الطبي بجامعة إيتيلر:
"معظم الأطفال الذين يعانون من فرط القراءة- إن لم يكن جميعهم- يتمتعون بمستوى ذكاء أعلى من المتوسط وفي معظم الحالات يظهرون تفوقًا في القدرات الذهنية، يمكنهم تعلم كل شيء تقريبًا إذا تم تقديم المفاهيم بصريًا وفقًا لأسلوبهم في التعلم؛ فهم حادون فكريًا، فالقراءة، والرياضيات، والجغرافيا، وعلم الفلك من المواد التي غالبًا ما يتفوقون فيها على أقرانهم، هؤلاء الأطفال يتعلمون في المقام الأول من خلال القراءة؛ لذا فإن البرامج العلاجية والتعليمية التي نصممها لهم يجب أن تأخذ بعين الاعتبار مهاراتهم في القراءة.
بالنسبة لهؤلاء الأطفال، تعتبر القراءة أداة قوية للتعلم وتطوير مهاراتهم اللغوية والاجتماعية الضعيفة؛ لذلك من المهم استخدام اللغة المكتوبة لتحسين نقاط الضعف لديهم وبمجرد أن يبدأ الطفل المصاب بفرط القراءة في فهم اللغة المنطوقة، يمكن تقليل اللغة المكتوبة تدريجيًا واستخدامها فقط عند ظهور أشياء جديدة مربكة."
العلاج المهني:
تختلف سياسة هذا العلاج من معالجٍ إلى آخر؛ لكنه يركز بشكل أساسي على الفرد واحتياجاته مثل: النوم، التغذية، العناية الذاتية.
تحليل السلوك التطبيقي النفسي:
عن طريق التركيز على تلبية الاحتياجات العاطفية والالتفتات للمشاكل السلوكية، مع العلم أن الأطفال أصحاب اضطراب فرط القراءة من النوع الثاني يُبدون استجابة أكثر فعالية عندما تكون عملية التعلم بشكل فردي وأكثر استرخاءً، والأطفال أصحاب النوع الثالث يبدون نتائج إيجابية أكثر عند الاندماج والامتزاج مع أقرانهم في نفس العمر.
الهايبرلكسيا من الاضطرابات النمائية التي لا تلقى صدًى واسعًا ولا تُسلط عليها الأبحاث ورسائل الدكتوراه؛ رغم أن التدخل المبكر يساعد كثيرًا في فرص نجاح سُبل العلاج مع الأطفال، ومن المهم تشخيص الهايبرلكسيا عندما يكون الأطفال في سن صغيرة؛ حتى ترتفع معدلات الاستجابة للخطة العلاجية.
ليظل العامل الأهم هو نشر الوعي إلى أن القراءة المبكرة ليست بالضرورة إشارة قاطعة إلى التفوق العقلي وأن كل موهبة مبكرة وفي سن صغيرة ليست برهانًا على نبوغٍ خارق.
![]() |
| فريق موقع كون للمقالات - Con articles |

