أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر المقالات

فرّت وحدَها، فأُنزِل فيها قرآن: سابقة أم كلثوم بنت عقبة.

المقدمة: أم كلثوم بنت عقبة.

لمن زعم أنَّ البطولة وقفٌ على الرجالِ دون النساء، وأن الشجاعة لا تسكن إلا في قلوب أصحاب السيوف، هذا حديث امرأة لم تأخذ سيفًا ولا امتطت جوادًا، إنما صدقت وحدها، وثبتت على إيمانها يوم ارتد المُرتابون. 

في زمنٍ كانت المرأة تُساق خلف قرارات القبيلة، تابعة لا متبوعة، صامتة لا ناطقة، خرجت هي عن هذا النسق وشذت عن القطيع، قررت أن تُخالف كل ما نشأت عليه وجازفت بنفسها، لا بحثًا عن الدُّنيا بل فرارًا بدينها، تركت خلفها الدَّار والمسكن، ونبذت القصر والخدم والحشم، مُهاجرةً وحدها إلى رسول الله -ﷺ-، لا حامٍ يُدافع عنها ولا دليل يدّلها على الطَّريق، إنها أول امرأة تُهاجر إلى المدينة بعد صُلحِ الحديبية في مشهدٍ يهز القلوب حتّى اليوم، فكانت كمن قيل فيه: (خرج من وطنه يحمل الإيمان في قلبه، ويكفيه الله عن كل شيء).هي الصَّحابية التي لم يزل ذكرها يُرفرف في صفحات الفخر والكرامة، أمَّ كلثوم بنت عقبة الأمويّة.

فرّت وحدَها، فأُنزِل فيها قرآن: سابقة أم كلثوم بنت عقبة.

جذورها في قريش وثمرتها الإيمان: 

هي أمَّ كلثوم بنت عُقْبَة بن أبي مُعَيْط بن أبي عَمرو بن أُمَيَّة بن عبْد شمس بن عبد مَنَاف بن قُصّي، قرشيّة الأصل، أمويّة النّسب، لا يُنكر لها حسب ولا يُجهل لها نسب.

وأمها هي (أروى بنت كُرَيز بن ربيعة)، كما أنها أخت واحد من العشرة المُبشرين بالجنة -لأمه- وصهر النَّبيّ -ﷺ- (عُثمان بن عفان -رضي الله عنه-)، وأخواها الشقيقان هما الوليد وعمارة ابنا عقبة، وقد أسلما يوم الفتح.

أمّا عن نشأتها، فقد نشأت -رضوان الله عليها- في بيتٍ من أشد البيوت عداءً وأذىً للإسلام والمُسلمين لو نظر الناظر إليه من بعيد لقال: (ما أحوجه إلى الهدى!)، وكان والداها عُقْبَة من أولئك الذين خاصموا النّبوة حتى قست قلوبهم، حتى إنك لتظنه وُلِدَ في يده حجر، لا يُحسن إلا رميًا، ولا يهوى إلا أذى، فكان يُلقب (أشقى القوم)، فهو مُلقي سلا الجزور -أمعاء الشاه- على ظهر رسول الله -ﷺ- وهو يُصلي في مكة، ولَف رداءه وخنق به النّبيّ حتى أُغشى عليه، وتلك أفعال لا يعتد بها أحد فخرًا، بل يتوارى خزيًا وذلًا، وكانت نهايته أنه أُسِر يوم بدر، فأمر النَّبيَّ بقتله، وقُتِل كافرًا جزاءً لِمَا قدمت يداه.

 أفمن عدوّ للرسالة وخِصمٍ للوحي، تُولد مؤمنة ثابتة؟ نعم، فالله يُخرج الحي من الميت ويُخرج النور من الظُّلمة، فمن ذاك الأب القاسي خرجت ابنته الوحيدة أم كلثوم المسلمة، المؤمنة، الصابرة، التي رمت بدينِ قومها تحت قدميها، وخاطرت بحياتها وارتدت ثوب الإسلام وهي شابة.

إسلام أم كلثوم بنت عقبة:

أسلمت أمَّ كلثوم في مكة في دار الأرقم، قبل أن تُفتح للنساء أبواب الهجرة، فأسلمت سرًّا لا جهرًا، كانت تؤمن، وتصلي، وتدعو في بيتٍ لو عَلِم أهله لأوقدوا لها نارًا ليلقوها فيها!
ظلّت سبع سنين تكتم دينها، ماشية بين الناس بقلبٍ مؤمن سرًّا، ولسانٍ يهوى أن ينطق بما لا يُقال.

وحين جاء صلح الحديبية وأُغلقت الطُرق على المهاجرين، كانت هي وحدها من شقّت طريقها على غير عادةٍ، لا مُنتظرة إذنًا، ولا سائلةً رفيقًا، خرجت بنفسها لنفسها، وهجرت قومها، لا لأنهم فقراء، بل لأنهم أضلاء. 

الهجرة العجيبة:

ذكر ابن عبد البر -رحمه الله- أنه لم يتهيأ لأمّ كلثوم الهجرة إلى سبع سنوات من بعد هجرة الرسول إلى المدينة، لكن يحدث ما يغير الموازين، ويأتي صلح الحديبية ويكون من شروط صلح الحديبية أن يرد النّبيّ -ﷺ- كل من يأتيه من مكة مسلمًا، وتسمع أم كلثوم بشروط صلح الحديبية وتبكي بكاءً مريرًا؛ لأنها فقدت الأمل بالهجرة للمدينة بعد هذا الشرط، ويشتد الخناق على أم كلثوم وتقرر أن تهاجر حتى لو أرجعها الرّسول.

وكانت هجرتها قاسية وحيدة، ليست مع الصحابة، ولا مع قافلة تحميها، وتطعمها، وتقاتل عنها، بل خرجت لوحدها من مكة إلى المدينة ولم تتشكى أبدًا! ورغم ذلك فكانت قصة هجرتها تُشير إلى لُطفِ الله بها وإكرامه إياها، وهي أول امرأة تهاجر بعد صلح الحديبية، وقد كانت هجرتها وحدها -رضي الله عنها- دليلاً على شجاعتها وصدق إيمانها.

قصة هجرتها، وحيلتها للخروج من مكة:

آن أوان البطلة أن تفتح صفحات ذاكرتها، وتسرد علينا حكاية هجرتها وحيلتها للخروج من مكة، كما عاشتها بقلبها لا كما رُويت على الألسن:

كنتُ أخرج إلى بادية لنا فيها أهلي، فأُقيم بها الثلاثاء والأربعاء، ثمّ أرجع لهم فلا ينكرون ذهابي للبادية، حتى أجمعتُ المسير، فخرجتُ يومًا من مكة كأني أريد البادية، فلما رَجِعَ مَنْ تبعني، فإذا برجلٍ من خزاعة قال: أين تريدين؟
- قُلت: ما مسألتك؟ ومن أنتَ؟
- قال: رجلٌ من خزاعة.
فلما قال خزاعة اطمأننت إليه لدخول خزاعة في عَهْد رسول الله -ﷺ- وعَقْدِه، فقُلتُ: إني امرأةٌ من قريش، وإني أريد اللحاق بالرسول ولا عِلْمَ لي بالطَّريق.
- قال: أنا صاحبُك حتى أوردكِ المدينة.
ثمَّ جاءني ببعيرٍ فركبتُه، حتى قَدمنا إلى المدينة، وكان خير صاحب، فجزاه الله خيرًا.
فدخلتُ على أمِّ سلمة -أمِّ المؤمنين- وعرّفتها نفسي، فالتزمتْني وقالت لي: هاجرتِ إلى الله عزَّ وجلَّ وإلى رسوله؟
- قُلتُ: نعم، وأنا أخافُ أنْ يردَّني.
فدخل رسول الله -ﷺ- على أمِّ سلمة فأخبرتهُ بذلك، فرحبَّ وسهلَّ.
- فقلتُ: يا رسول الله، إنّي فررتُ إليك بديني، فامنعني ولا تردّني إليهم يفتُنوني ويعذَّبُوني، ولا صَبْرَ لي على العذاب.
ولم تكد تطمئن حتى كان قد خرج في أثرها عمار والوليد، فمازالا حتى قَدِما المدينة، فقالا: يا مُحمَّد، فِي لنا بشرطنا.

لينزل الحكم من فوق سبع سماوات ينقض بندًا من بنود صلح الحديبية لأجل امرأة صدقت، فنزل قول الله تعالى:

(يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٖ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّۖ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّۚ وَلَا تُمۡسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ وَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقۡتُمۡ وَلۡيَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقُواْۚ ذَٰلِكُمۡ حُكۡمُ ٱللَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡۖ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ).

فقال رسول الله ﷺ:

إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد نقض العهد في النساء.

ثمَّ امتحن رسول الله أمَّ كلثوم والنساء بعدها، فكانت الآية تُمتحن بها القلوب، وتميز بها الصادقات من المُدعيات، وفرق بها الله بين الحرام والحلال، وبين من صدق ومن كذب.

وسُئل ابن عباس: كيف كان امتحان رسول الله للنساء؟
قال: (كان يمتحن، بالله ما خرجت من بغض زوجٍ، وبالله ما خرجت رغبةً عن أرضٍ إلى أرضٍ، بالله ما خرجتُ التماس دُنيا، بالله ما خرجتُ إلا حُبًا لله ورسوله)، فإذا قُلن ذلك تُركن وحُبسن فلم يُرْدَدْن إلى أهليهنّ.
وهكذا انتهت قصة الهجرة الميمونة، وكان لها عظيم الأثر فأصبحت أمّ كلثوم سببًا في نزول الآية الكريمة، وتغيير في أحكام التعامل مع النساء المؤمنات المهاجرات.
ولكن ماذا بعد الهجرة؟ وكيف كانت حياتها في المدينة؟

ما بعد هجرة ام كلثوم:

كانت أمَّ كلثوم -رضي الله عنها- من أوفر النساء عقلًا وأكثرهن إيمانًا، وقد شهد لها رب العرش بالإيمان والثبات، فلما وطئت قدمها أرض المدينة أخذت مكانة لائقة بين الصحابة، وكان رسول الله -ﷺ- يعظم شأنها ويجل صدق إيمانها، ولم يكن في شأنها إلا التكريم والتوقير، ولم تقتصر مكانتها الروحية فحسب بل خرجت في بعض الغزوات تداوي الجرحى والمُصابين حتّى أصابها سهم من سهام الكفار في سبيل الله.
وتقدم لخطبتها رجلًا من أعظم رجال الصحابة، فقد وَرَدَ أنه خطبها الزُّبير بن العوام وزيد بن حارثة وعبد الرحمن بن عوف وعمرو بن العاص -رضي الله عنهم-، فسألت في هذا أخاها عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، فأشار عليها أن تلجأ إلى النّبيّ -ﷺ-، فأتته فهداها قائلًا: (تزوجي زيد بن حارثة فإنه خيرٌ لكِ)

فقد كانت له زوجة وأنجبت له زيدًا ورقية، فلما استشهد عنها زيدٌ في مؤتة، تركتها الدنيا تتعاقب عليها أزواج من خيرِ رجال الأرض، فتزوجت الزبير بن العوام الذي كانت فيه شدّة على النساء، مما جعلها تكره صحبته وتسأله الطَّلاق حتى طلقها وأنجبت له زينب، ثمَّ تزوجت عبد الرحمن بن عوف، فولدت له إبراهيم وحميدًا، وهما من نجباء العلماء الذين تركوا أثرًا جليلًا في علم الدين والتاريخ الإسلامي، وبعد أن وافت عبد الرحمن بن عوف المنية، تزوجت عمرو بن العاص ثمّ رحلت عن الدنيا عنده.
لم تقتصر فضائلها على هذا الجانب فقط، فلم تكن رضوان الله عليها امرأة عادية، بل كانت كاتبة وقارئة وراوية، من القلائل ممن عرفن القراءة والكتابة من بين نساء قريش في زمنٍ كانت المرأة فيه نسيًا منسيًا وغريبة عن العلم، وروت عن الرسول -ﷺ- عشرة أحاديث أُخرج لها منها في الصحيحين حديث واحد مُتفق عليه، وروى عنها ولداها إبراهيم وحميد، اللذان ورثا علمها فقدمت بذلك أبنائها علماء لنفع الإسلام.

ختامًا كانت أمّ كلثوم علمًا ناصعًا ومثالًا لمن سار على نهج العلمِ والإيمان، ولم تزل تارة في بيت العلم وتارة في ميدان الجهاد، فحقّ لمن عرف فضلها أن يُذكر ولمن أدرك فضائلها أن يُثني، فإن سيرتها -رضي الله عنها- تضيء لنا درب النساء في الإسلام، فما كانت أم كلثوم -رضي الله عنها- في مقام المرأة الراكدة، بل كانت أمًا وزوجة، عاقلة تدير أمر بيتها، وحافظة لنسل علمٍ لا ينضب، إذ أخرجت لنا من ولدها إبراهيم وحميد أعلامًا في العلم والفقه، شهد لهم التاريخ بالفضل، ونالوا من العلم نصيبًا وافرًا، فمنزلتها في الإسلام منزلة عظيمة جمعت فيها بين عفة الزوجة، وحكمة الأم، وجلال العلم.

ها هي قصة تُعلّمنا أن المرأة قد تكون لبنة في بناء الأمة، وصانعة للعقول، ومؤثرة في الأجيال، بالحكمة والإيمان والحرص على تربية النشء، وتُبين أن النجاح الحقيقي لا يكون إلا بشراكة الإنسان للعلم والإيمان، وأن من سلك هذا الطريق كانت له مكانة لا تزول، فليكن لنا منها عبرة في هذا الزمان، حين تغدو السبل معقدة، والأدوار متعددة، فلا يغرّنكم من يُهمش دور المرأة في المُجتمع وفي الإسلام، ولا يثنينكم عن التمسك بثمرات العلم والعمل، فكل أمة ترفع من شأن نسائها، وترعى عقولها، كانت آهلًا للخير والبركات، محققة لسؤددها في الدنيا والآخرة، فليسعى كلٌّ منا لترك أثرًا طيبًا لا يُنسى في مجتمعه.

المصادر والمراجع:

  1. سير أعلام النبلاء/ للحافظ الذهبي/ 277/2
  2. الطبقات الكبرى/ لابن سعد/ 2732/8
  3. الإصابة في تمييز الصحابة/ لابن حجر العسقلاني/ 343
  4. القرآن الكريم/ سورة الممتحنة/ آية رقم 10

تنويه: نودّ التأكيد أن هذا المقال سردٌ تاريخيّ محايد مبني على مصادر أكاديمية موثقة، يهدف إلى عرض الوقائع وتحليلها بموضوعية، ولا يعبّر عن موقفٍ معاصر أو توجهٍ أيديولوجي. مُراجعة وتدقيق: أسماء كمال الصفتي تحرير وإشراف عام: محمد رمضان – المؤسّس والمدير التنفيذي إدارة قسم المراجعة والتنسيق
جوري مُحمد العشري.
جوري مُحمد العشري.
جُوري محمد العشري، كاتبة مقالات مصرية، لدى موقع كون للمقالات.
تعليقات