أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر المقالات

وصفة منزلية سريعة لصنع شطيرة برجر من تبن الحيوانات.

مافيا اللحوم تعلن: حياتك مقابل الطعم:

توضيح مهم: إنَّ "مافيا اللحوم" في هذا المقال مجرد استعارة رمزية ساخرة نستخدمها للدلالة على قوة نفوذ صناعة النكهات البديلة للحوم، ولا تشير إلى كيان حقيقي أو تهديد فعلي.
مافيا اللحوم -بوصفها استعارة أدبية- تكشف عن ظهور نوع جديد من البرجر، منتج يُزعم أن أثره الطاغي لا يترك مجالًا لمنافسة، وكل من يتذوقه يسلّم بكل جوارحه!
في أوَّلِ طرح رمزي لذلك المنتج، نؤكد نحن في "كَوْن" أن هذه استعارة للتعبير عن احتكار النكهة وسطوتها، لا عقدًا حقيقيًّا ولا دعاية تجارية، وجميع النكهات متوفرة بنسبة 100%، لكن يبقى السؤال المعلّق: ماذا ندفع نحن فعلًا مقابل تلك النكهات؟
لكي لا تضطر لتحويل حياتك إلى عملات تشتري بها نكهة اللحم، عليك أن تواجه نفسك بالسؤال: هل اللحم الذي تعتقد أنك تتناوله في كل يوم - في اللانشون، في شطيرة دومتي بطعم البرجر، وحتى داخل الشيبسي- هو لحم حقًّا؟ وما هي بدائل اللحم التي نستهلكها من غير أن ندري؟ وهل فول الصويا بديل فعلي أم أن وراءه  سرًّا يربطه باللحوم المصنعة؟

وصفة منزلية سريعة لصنع شطيرة برجر من تبن الحيوانات.
 وصفة منزلية سريعة لصنع شطيرة برجر من تبن الحيوانات.

طعامٌ بنكهة اللحم.. حقيقة أم وهم مُحبب؟

مع أن اللحوم صارت أكلة متخفية بذاتها في رداء الغلاء السميك، إلا أننا نتذوق نكهتها تقريبًا في كل يوم وكل ساعة؛ فالمنتجات التي تحمل عنوان اللحم على غلافها لا يمكن حصرها، مثل، مكعبات المرقة، واللحوم المعلبة والمصنعة، ومنها: البرجر، واللانشون، والسجق، مرورًا بـ النودلز سريعة التحضير وحاملة نكهة اللحم أو الدجاج، والشيبسي بأنواعه، وصوصات البرجر والدجاج بمسمياتها التي لا تنتهي، وحتى في داخل بعض أنواع الجبن؛ لذلك فإن كنت تعتقد بأن لسانك لا يتحسس طعم ورائحة اللحم بشكل يومي فأنت مخطئ!

لكن الذي يدفعنا للسؤال الحقيقي هو: هل يمكننا أن نعتبر نكهة كل واحد من تلك المكونات واللحم واحدًا؟ الدول تعاني فقرًا قديمًا ومستمرًّا في اللحوم، ومع ذلك هناك جميع تلك المنتجات التي تحمل اسم اللحم، وتتواجد في حياتنا بكمية كبيرة وبشكل يومي، والإجابة على ذلك تكمن في اختصار من ثلاثة أحرف (M.S.G)، ذلك المركّب الذي يوصف أحيانًا بالكنز وأحيانًا بالوحش، النحاس المطلي بالذهب، ركيزة صناعة اللحوم البديلة: (الملح الصوديومي لحامض الجلوتاميك) أو كما هو مشهور في الأسواق بالملح الصيني، علميًا بـ(أحادي جلوتومات الصوديوم)، وترجمته (Mono Sodium Glutamate) والذي يعود له الاختصار السابق الإشارة إليه، ومجازًا -في إطار النقد- يمكن تصويره كأحد "المتنكرين" في هذا العصر، كيف لا وهو يُدمج في جميع مصنعات اللحوم السابق ذكرها، وأي غذاء مزود بنكهة اللحم يكون غالبًا حاملًا لهذا المركب.

ورغم أن بعض الخطابات الشعبية تطلق عليه "كارثة العصر"، إلا أن الدراسات الطبية والعلمية تشير إلى أن جلوتومات أحادي الصوديوم يمكنه دخول جسم الإنسان بشكل طبيعي بعيدًا عن الغذاء المصنع، كما يمكن للجسم التعامل معه، وهذا في حد ذاته يقلل من دائرة القلق تجاه وجود هذه المادة، غير أن حدود الجسم في فعل ذلك اعتمدت عليها المنظمات الغذائية العالمية في وضع ضوابط مدّ الغذاء به.

هذه الضوابط قادت إلى ضبط دقيق للكميات المضافة، وأن المواصفات القياسية التي تحتفظ بالغذاء المضاف له الملح الصوديومي داخل المنطقة الخضراء تعادل جرامًا واحدًا من الملح صوديومي لكل مليون جرام من الغذاء، وهذا ما نعنيه بجزء من المليون، أو كما يُرمز له بالـ(ppm).

ويعود وجود هذه المادة في الجسم إلى قدرته المميزة على التخليق الذاتي لحامض أميني يُعرف بحامض الجلوتاميك، والذي يجعله مميزًا جدًا عن غيره بدرجة لافتة، هو أن وجوده على هيئة جلوتومات أحادي الصوديوم يكسبه قدرة خاصة على جعل أي مصدر دهني أو نشوي - مهما كان نوعه- يكتسب نكهة تقارب منتجات اللحم، حتى أن الفارق في التذوق قد يصبح شبه منعدم، وهنا يبرز ما يمكن وصفه مجازًا بـ"سحر الـ(M.S.G)".

تاريخ اكتشاف الـ(M.S.G):

من بين صفحات عديدة تسرد عن الجلوتومات، ما يمكن اعتباره إشارة التداخل الأول الحقيقي لها مع الغذاء هو وقائع بدأت من بعد الحرب العالمية الثانية بالإزدواج مع المرحلة التي دخلت فيها أمريكا الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، والأزمة التي كانت بصدد الجنود الأمريكيين في تلك الأثناء تمثلت في رداءة نوعية الغذاء مع ظروف الحرب وانعدام نكهته، مما زاد من الاعتماد -في ظروف كتلك- على الأغذية المعلبة وما يشبهها.

هذا هو البيدق الذي حرّك شعاع التجارب ناحية المعامل الغذائية المعنيّة حينها بالأمر، والتي كان تركيزها في مستهله على التحليل الدقيق؛ للكشف عن المركبات المختلفة التي تتكون كنتيجة لطهي اللحم، والمسؤولة عن استقبال مراكز التذوق، والشم، والطعم، والرائحة الذين يُشعرون الإنسان بتناول اللحم ومذاقه المحبب، ومن ثم تركزت المرحلة التالية على التجربة، واكتشاف كل المواد التي يمكنها أن تتشابه في تركيبها وطبيعتها مع ما يقارب مركبات النكهة التي تحملها دهون اللحم، وفي ذلك كان المتصدر بجدارة هو الـ(M.S.G)، والاستناد إلى ذلك كان من خلال الاختبارات الحسية التي أقرّ بها آلاف الجنود الأمريكيين في ذلك الوقت، وثبتت آراؤهم من خلالها أن تركيز النكهة والطعم المستساغ برز بشكل قوي في المنتجات التي حملت في طياتها الـ(M.S.G)، على عكس تلك التي خلت منها.

وفي الواقع الذي يبدو فيه ذلك كاكتشاف عصري مدير للأزمات أو معوّض لشيء باهظ الثمن، فإنه أتاح ببروزه أداة صناعية لا غنى عنها، وبلا شك في أنه فتح مجالًا مربحًا خاصة لرواد المصانع، بعضهم لم يكن يمتلك رؤية علمية دقيقة أو وافية، والمعروف أن أي جهل حين يقترن بأداة مؤثرة، قد يقود إلى نتائج غير محسوبة، ولأن استبدال مادة كيميائية باللحوم الحقيقية هو صفقة رابحة من الناحية الاقتصادية، خاصة أنه على أرض الواقع لا يمكن التفرقة من حيث طعم أو نكهة شيء محتواه الجلوتومات عن اللحم فعلًا، فقد صار وجود تلك المادة في أيدي المصنعين دافعًا لابتكار مئات الأصناف والاختراعات التي لم يكن لها أي وجود من قبل، وهي تحظى بقبول ورضا معظم وربما جميع البشر، وأصبحت جزءًا أساسيًّا من وجباتهم اليومية، كما لو أنَّ الجلوتومات أصبحت حصارًا في جميع الأطعمة لا يمكن فضّه بسهولة مهما حاولت.

لكن السؤال الذي قد يطرأ الآن هو: كيف لمادة يستطيع الجسم خلقها وضمها إليه أن تتحول -في صورتها الغذائية المضافة- إلى عامل مثير للجدل حول سلامتها؟ وهذا سؤال صحيح في حد ذاته، فجسم الإنسان يقوم بشكل دوري من تلقاء نفسه بتخليق الـ(M.S.G) لحاجته إليها، فما الذي يجعل دخولها الجسم في صورة غذاء يثير هذا الجدل العلمي المستمر حول تأثيره على الصحة؟

الـ(M.S.G) كحاجة وكسلاح:

كتمهيد أولي، نحن نعلم أن جسم الإنسان -أو الحيوان- مبني من خلايا متراصة في شكل أعضاء، والتي تتجمع مع بعضها مكونة مختلف الأجهزة، بالمثل فإن نوع الخلية المميز لبناء الهيكل العصبي للكائن الحي هي الخلايا العصبية، والمعروف أن الجهاز العصبي للإنسان هو مولده ومحرّكه، والمتحكم الأول في أصغر شيء يدور في جسمه وصولًا لأكبره، وهذا التحكم يتم من خلال إشارات كهربائية تنتقل على طول الخلايا العصبية بسرعات فائقة من مكان إلى مكان في الجسم؛ فتعمل على حركته، أو انتباهه، أو توقفه، ومختلف ردود الفعل.

هذه الإشارات الكهربائية تنتقل في مسار محدد تكوّنها لها الخلايا العصبية، يمكننا في ذلك تخيل الخلايا العصبية كطريق مُقسم إلى أجزاء، والإشارات لا يُسمح لها بالعبور إلا منه، لكن لكي تستطيع الإشارة الانتقال من جزء إلى جزء فيه لا بد لها من شيء يأخذ بيدها ويساعدها على العبور، ومن ضمن ما يقوم بتلك الوظيفة هي مركبات كيميائية عديدة، تترأسها جلوتومات أحادي الصوديوم، وبذلك يُطلق عليها (ناقل عصبي)، أي تنقل الإشارات العصبية من خلية إلى أخرى، ما يدفع الجسم لتخليقها بشكل طبيعي يسد احتياجه منها، وبذلك فهي لها دور في التعلّم والتذكّر.

وكمثال على ذلك، حين تستقبل معلومة دراسية لأول مرة، كأن تحفظ كلمة جديدة باللغة الإنجليزية، يكون انتقال الإشارة العصبية من خلية إلى أخرى أصعب، ولا يمكن أن يبدأ الانتقال إلا في وجود العامل المساعد الـ(M.S.G)، ومع التكرار يصبح الأمر أسهل تبعًا لميكانيكة معينة، لكن ما يهمنا هو أن البداية التي ساعدت على ذلك هي النقلة العصبية التي ساهمت فيها الجلوتومات، وفي إطار ذلك فإن الجسم يستطيع تنظيم الكميات المتاحة التي يحتاجها من الجلوتومات بشكل دقيق جدًا، وهذه الدقة ترجع إلى إدراك الجسم بمدى خطورة التعامل مع مادة كتلك؛ لأنه لو اختفت تلك الدقة وأصبحت الكميات منها بلا رادع، فإنها تتحول إلى سلاح يدمر الجسم، ولذلك فإن منظمات الغذاء وضعت حدودًا معينة لإضافتها إلى أي مادة مُصنعة.

هذا الحدّ لا يمثل المشكلة بذاته، لكن مع الكثرة والتعدد الرهيب لمصادر استقبال الإنسان لهذه المادة من مختلف الأغذية، لا يجعل لتلك الحدود الموضوعة أي قيمة، وبالتبعية مع زيادتها المفرطة يحدث تحفيز غير طبيعي للجهاز العصبي، وقد أشار بعض الباحثين إلى ما يُعرف بـ(الاحتراق العصبي)، بل وهناك دراسات أولية ربطت بين الإفراط المزمن في استهلاكها وبين اضطرابات عصبية مثل الصرع أو الزهايمر أو الرعاش المبكر، إلا أن الهيئات العلمية الكبرى مثل FDA وWHO تؤكد حتى الآن أن هذه الروابط لم تثبت بشكل قاطع، وأن MSG يُعتبر آمنًا في الحدود المقررة للاستهلاك الغذائي.

بكلمات أخرى، إنَّ المادة قد تُرضي مُستهلكها في حصوله على متعة المذاق، لكن بلا أي فائدة غذائية تُذكر، ومع كثرتها وتعدد مصادرها لا يتوقف الأمر عند الطعم فقط، بل يفتح بابًا واسعًا للتساؤل العلمي والجدل المستمر حول أثرها بعيد المدى على الصحة، وهو ما يجعلها -ولو من باب الحذر- من أخطر ما يكون إن تجاوزت حدودها.

هل الأمر خطير؟

أنا لا أعني بكلامي أنك في محض كارثة، ولكن كل إنسان وُهب حياته وهي صحيحة، حقٌ عليه أن يدري إلى أين يقودها، كن متعادلًا في كل شيء، وإن كنت أبًا فعليك أن تدرك أن اعتماد الأطفال على الأغذية السريعة، ومختلف منتجات الشيبسي، والإندومي، وما يشابهها من أطعمة مصنعة، قد يشكل خطورة إذا أصبح نمطًا غذائيًا دائمًا، ويُحمّل المسؤولية على من حولهم، وإن كنت قارئًا مسؤولًا فقط عن نفسك، فعليك أن تراجع عاداتك، فلا تجعل فطورك اليومي قائمًا على اللحوم المصنعة التي قد تزيد من عبء المواد المضافة على جسمك مع مرور الوقت، تناول بحرص، واحرص عند اختياراتك؛ فالكثير من الدراسات الطبية تشير إلى أن العادات الغذائية غير المتوازنة تسهم بدرجات متفاوتة في زيادة معدلات أمراض نراها بكثرة في هذا العصر.

حاول أن تصحح ولو جزءًا بسيطًا من نظامك الغذائي، يمكنك أن تبدأ بخطوات بسيطة مثل تعلّم إعداد بعض وجباتك المفضلة باستخدام بدائل طبيعية للحوم، ومن أبرزها فول الصويا، إذ أثبتت الدراسات وجود تشابه في تركيب بعض بروتيناته مع البروتينات الموجودة في اللحوم، مما يجعله بديلًا مناسبًا وآمنًا عند الاستخدام المعتدل، واعلم أن قوة الإنسان في صحته، فإذا ضعفت أحاطه الألم الجسدي وثقل الندم.

وفي الختام: إن ما أطلقنا عليه مجازًا "مافيا اللحوم" لا ينهزم فعليًا بمقال، لكن القارئ الواعي قد يكتسب معرفة تُضعف سطوتها عليه، وأود تقديم الامتنان لأستاذي الجامعي الدكتور أشرف شروبة، على علمه الذي ألهمني في كتابة هذا المقال، وإن كنت أيها القارئ لا تزال متشوقًا لمعرفة "سر الوصفة"، فعليك أن تنتظر المقالة القادمة، فما زلت على درب اكتشافها.

المصادر والمراجع:

  1. Zanfirescu, A., وآخرون (2019).
    مراجعة شاملة للأدلة المتعلقة بالمخاطر الصحية المزعومة لمادة MSG.
    رابط المصدر - PMC
  2. onlinelibrary.wiley
    دراسة حول العلاقة بين استهلاك الغلوتامات أحادية الصوديوم والتغيرات في ميكروبات الأمعاء وخلل التوازن الأيضي المرتبط بها
    رابط المصدر - onlinelibrary.wileyt

فريق عمل مقالات كَوْن
نانسي محسن
نانسي محسن
نانسي مُحسن، كاتبة مصرية، وكاتبة مقالات ومراجعة لدى موقع كون.
تعليقات