من الصغَرِ تربينا على قصص الأوَّلين وحكايات الأجداد، عن بسالة الأقدمين، وعقوبات المجرمين، عن تضحية المحب، وعن شجاعة الفرسان، عن الوحوش الذي تحوم ليلًا طارقة الأبواب، حكايات تروى على أنها حقائق واقعة، ومعتقداتٌ ترسخ في أذهاننا، قلة من يبحثون خلف صحتها، أسطورة هي أم خرافة، أم حقيقة شوهها الزمان؛ لتطغى أكاذيبه على حقائقها.
كيف انتشرت الأسطورة:
![]() |
| تحول الأسطورة والخرافة إلى ركن من ثقافة الشعوب. |
انتشرت الأساطير عبر التفاعل الثقافي بين الحضارات والشعوب، من خلال الترحالِ والهجرات والتجارة، وتناقل القصص والروايات من جيل إلى جيل، هذا قديمًا، أما في وقتنا الحالي فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الأساطير والحكايات الشعبية على نطاق أوسع؛ حيث أدى ذلك إلى تبادل الأفكار والخرافات بين المجتمعات والشعوب المختلفة، وبسبب تداخل الثقافات وكثرة الروايات اختلطت الأساطير بالخرافات، وأصبح الناس يتخذونهم كمجرد روايات تروى فقط لحفظ التراث وإتباع العادات.
الفرق بين الأسطورة والخرافة:
أكثر المشهور أن كلًّا من الأسطورة والخرافة هما نفس الشيء، لكن المشترك الوحيد بينهما هي الأكاذيب المضافة؛ فالأسطورة هي:
أمر قد وقع بالفعل لكن حُرفت بعض الحقائق في روايته؛ لتزيد من حدة الأحداث أو من عظمة المروي عنه، كأن قام محارب بالقضاء على خمسة رجال بضربة واحدة، فتكون الرواية أنه أطاح بجيشٍ كامل بمفرده.
أما الخرافة:
فهي محض أكاذيب، لكنها تكون ذات هدف أو مغزى، سواء كان هذا المغزى أخلاقي، أم تحذيري، كالقصص التي يختلقها الآباء لتأديب الأبناء، أو الوحش الذي يسكن أسفل سريرك، أو ساحرة الحلوى التي تستدرج الأطفال الذين يخرجون بمفردهم ليلًا لتأكلهم، وغيرها من الخرافات.
أما أصل كلمة خرافة، فقد ذُكر في كُتب الأدب أن خرافة هو اسم لرجل زعم أن الجن اختطفته، فمكث لديهم مدة طويلة، ثم أعادوه لأهله؛ فصار يحدث الناس بالعجائب؛ فقالوا حديث خرافة، ومنها قول ديك الجن:
حَياةٌ ثمّ مَوْت ثمّ بَعْث
حَديثُ خُرَافة يا أُم عمرو.
وجدير بالذكر، أن أكثر العادات والتقاليد الشعبيَّة لم تخلو أبدًا من من وجود الخرفات، بل إن مفهوم عادات وتقاليد وأعراف الأقوام لهو في حد ذاته خرافة من الخرافات
بداية نشأة الأسطورة:
نشأة الأسطورة مجهولة؛ فالأساطير تروى منذ بدأ الخليقة؛ فهي جزء لا يتجزأ من تاريخ البشرية، حيث تشكلت منذ أقدم العصور لتفسير الظواهر الطبيعية والأحداث الغامضة، فهي تمثل حاجة الإنسان للمعرفة، وبحثه الدائم عن تفسير لكل ما يحدث حوله.
أما النظريات حولها تعود إلى ما قبل سقراط، لكنها نظريات عن ماهيتها وطبيعتها، ولم تتخذ كمنهج للبحث العلمي إلَّا في العصر الحديث، خاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
وقد كان أول تعريف أُقترح للأسطورة أنها "قصة" وهو ما بدى بديهيًا، وكان أول ما يطرأ على فكر أحدهم عند ذكر كلمة أسطورة قصص الآلهة الإغريقية أو حتى المِصرية، كلٌ يتبع فكره وعرقه، فقد يُنظر هنا إلى الأسطورة بإعتبارها مذهبًا أو عقيدة تتبعها وتؤمن بها فئة معينة من الناس.
كيف تتحول الأسطورة إلى عقيدة راسخة؟
تحول الأسطورة إلى عقيدة ظاهرة موجودة منذ الأزل، قد يتصور عقلك أنها عملية غاية في التعقيد، ولكن كل ما تحتاجه هو ثلاثة عوامل، زمن، ثم ألسنة لتنقل، وآذان لتسمع، حيث تبدأ الأسطورة بالانتقال شفهيًا من جيل إلى جيل، وكلما باتت أقدم زادت قُدسيتها، وزاد إيمان المجتمع بها.
فتحولت العديد من الأساطير عبر التاريخ إلى معتقدات دينية راسخة، أثرت بشكل كبير في تشكيل الثقافات حول العالم، حتى وإن لم تعد تملك نفس التأثير، لكنها تظل حجر الأساس الأول للعديد من الشعوب، ومن أشهر هذه الأساطير:
الأسطورة الأولى: أسطورة إيزيس وأوزوريس:
وهذه أسطورة مصر القديمة، تحكي عن أوزوريس الإله الذي قتله أخيه "ست" بدافع الغيرة والحسد، حيث قام بتقطيع جسد أخيه أوزوريس وإلقائه في النيل، وفي رواية أخرى أنه قام بتوزيع أشلائه في البلاد ليصعب جمعها، لكن إيزيس، زوجة أوزوريس، تجوب الأرض بحثًا عن أشلاء زوجها وتجمع جسده وتعيده إلى الحياة مرة أخرى بمساعدة الآلهة.
تحولت هذه الأسطورة إلى رمز للبعث والخلود، وأيضًا رمزًا للإخلاص والحب، وأصبحت جزءًا أساسيًا من الطقوس الجنائزية المصرية، حيث كان يُعتقد أن الموتى سيحظون بحياة أبدية مثل أوزوريس؛ لذا كان يُحنط جسد الميت وتوضع معه ثرواته وزينته، حتى جواريه إن وجدوا؛ ليرفهوا عنه في الحياة الأخرى ويؤنسوا وحشته.
الأسطورة الثانية: أسطورة بروميثيوس:
بروميثيوس هو أحد العمالقة (Titan)، كان معروفًا بحكمته وحبه للبشر، كان يعد الأب الروحي لهم؛ ولأن كل أب يسعى للأفضل لأبنائه قام بسرقة النار من الآلهة على جبل أوليمبوس وإعطائها للبشر؛ ليمنحهم المعرفة والقدرة على التطور، لكن فعله هذا أغضب زيوس، ملك الآلهة، الذي قرر معاقبة بروميثيوس بعقاب قاسٍ.
كان عقابه أنه تم تقييده إلى صخرة في جبال القوقاز، حيث كان نسرٌ يلتهم كبده كل يوم، وفي الليل كان الكبد يعود لينمو مرة أخرى، ويُقال أن عقابه لا زال قائمًا حتى يومنا هذا!
تحولت هذه الأسطورة إلى رمزي التمرد ضد الظلم، والتضحية من أجل البشر في الثقافة اليونانية، وحتى اليوم، تُعتبر قصة بروميثيوس مصدر إلهام للتضحية فداءًا للتقدم والمعرفة.
الأسطورة الثالثة: أسطورة أورفيوس ويوريديس:
تعد تلك الأسطورة واحدة من أعمق الأساطير اليونانية التي تجسد قوة الحب ومرارته في آنٍ واحد؛ حيث تحكي عن أورفيوس، الموسيقار التي توفت زوجته التي كان يعشقها، وذهب ليترجى الآلهة أن تعيدها له، واقتنعت الآلهة بفضل موسيقاه الساحرة وسمحوا له أن يذهب الإنقاذ زوجته يوريديس بعد وفاتها من أرض الموتى، لكن كان هناك شرط واحد، وهو ألا يلتفت إليها قبل الوصول إلى العالم العلوي، وإلّا ستختفي ويخسرها للأبد.
ومع ذلك، في لحظة ضعف وشك، وخوف من أن تكون الآلهة قد خدعته، التفت أورفيوس إلى يوريديس؛ ففقدها إلى الأبد، وهذه الأسطورة لم تكن مجرد قصة حب مأساوية تروى لتكسب تعاطف المستمعين، بل هي رمز للضعف البشري، والصراع بين الأمل والخسارة والحب.
الأسطورة الرابعة: أسطورة نرجس:
وهذه الأسطورة وتُعتبر رمزًا للأنانية وحب الذات المفرط والغرور؛ حيث تحكي القصة عن شاب يُدعى نرجس، كان يتمتع بجمال أخاذ جعله محط إعجاب الجميع، نساء ورجال، لكنه كان يرفض حب أي شخص آخر غير نفسه، ووفقًا للأسطورة، كانت هناك حورية تدعى (إيكو) وقعت في حبه، لكن نرجس رفضها بقسوة، تسبب رفضه هذا بحزن تلكَ الحورية حزنًا شديدًا أسقمها، ولم يبقَ من تلك الجميلة سوى صوتها؛ فغضبت الآلهة من عجرفته وغرورة، وكعقاب من الآلهة، جعلوا نرجس يقع في حب انعكاس صورته في مياه النهر؛ فظل ينظر إلى صورته مفتونًا بها، غير قادر على الابتعاد عنها، حتى مات من الجوع والعطش، وعلى قبره نبتت زهرة النرجس، التي أصبحت رمزًا لحب الذات المفرط.
تُعتبر هذه الأسطورة تحذيرًا من الأنانية والغرور، وأصبحت أساسًا لمصطلح (النَرّجسِيَّة) في علم النفس، الذي يصف الشخصية المغرورة الأنانية، التي لا تهتم سوى بمشاعرها الشخصية ولا تعطي أي إهتمام لمشاعر الآخرين.
دور الأساطير والخرافات في تشكيل المجتمعات والثقافات الشعبية:
تتجلى أهمية الأساطير في العديد من الجوانب الثقافية والاجتماعية للشعوب، فهي تفسر ظواهر، تُرسخ قيم، وأيضًا منبع الإلهام للعديد من الفنون؛ فقد لجأ البشر قديمًا إلى الأساطير لتفسير الظواهر الطبيعية التي لم يتمكنوا من فهمها، حيث قدمت الأساطير لهم تفسيرات لظواهر مثل الشمس القمر النجوم الزلازل الفيضانات والعواصف والرعد.
فمثلًا، في الأساطير اليونانية، كان يُعتقد أن البرق والرعد هما نتيجة لغضب زيوس، إله السماء، فكان عند اشتداد الرعد والبرق، كان يسارع الكهنة في طلب القرابين ليقدموها للآلهة، ليرضوا عنهم، ويتجنب البشر سخطهم.
وكما قال مالينوفسكي في كتابه (الأسطورة في علم النفس البدائي):
"تبدأ الأسطورة في الظهور عندما يتطلب الطقس أو الاحتفاء أو القاعدة الاجتماعية أو الأخلاقية؛ تبريرا وضمانًا على عراقتها وحقيقتها وقداستها".
أيضًا كما ساهمت الاسطورة في تعزيز الهوية الثقافية؛ فالأساطير تعتبر جزءًا من التراث الثقافي لكل مجتمع، وتساعد في الحفاظ على الهوية الثقافية وتعزيزها عبر الأجيال من خلال هذه القصص.
هذا بجانب أن الأساطير لا تستخدم فقط لتفسير الظواهر الطبيعية، بل حتى تستخدم كتبرير للتقاليد المتبعة والعادات، فكلما أقدم بعض الأشخاص على فعل، اتخذوها كعذر لهم، شيء من قبيل، (أفعل هذا لأن هذا ما يجري عمله دومًا)، وأغلب الناس يتخذ هذا الأمر كقاعدة على مر العصور، سواء قديمًا أم حديثًا؛ فعادة أغلب البشر أن يتقفوا أثر من سبقوهم وأن يسيروا على نهجهم.
الخرافات في العصر الحديث:
حتى طبيعة الأساطير والخرافات تتغير بتغير الزمن، لتتماشى مع التقدم العلمي للمجتمعات؛ فبتقدم العلوم والفِكر وجد البشر تفسيرات علمية للمطر والرعد، وأنه ليس نتيجة غضب آلهة، استنتجوا كيف جاء الإنسان بالنار، وكيف كانت تبحر السفينة في الماء وأسباب غرقها؛ فاندثرت الأساطير المتعلقة بهذه الظواهر -كأسباب لها- ولكن ظلت راسخة في عقول الشعوب.
ومع ذلك ظهرت خرافات جديدة، تتماشى مع المجتمع، وتواكب الفكر الحديث، والمشكلات الدارجة، كالتي تشير إلى وجود حكومات سرية تدير العالم (نظرية المؤامرة)، فحتى الفيروسات الموجودة في الجو هي من تصنيعهم، ونسبة تلوث الهواء، وإرتفاع وانخفاض الأسعار، والحروب بين الدول، يتناقل بعض الناس على ألسنتهم أن سبب كل ما يحدث هو الماسونيَّة.
وهذا يدل على أنه مع التقدم العلمي والثورة الصناعية قد تكون بدأت بعض الأساطير أن تفقد بعضًا من دورها التقليدي في تفسير الظواهر الطبيعية، لكن مع ذلك، استمرت الأساطير في الظهور بصورة أخرى تتماشى مع الأوضاع وتجاري الأحداث، ولا زالت تقوم بوظيفتها الأساسية، (تفسير ما يصعب على الإنسان فهمه).
المراجع والمصادر:
1- الأساطير والخرافات عند العرب/ د. محمد عبد العزيز خان.
2- الأسطورة - مقدمة صغيرة جدًا/ روبرت ايه سِيجال.
![]() |
| فريق كَوْن بالعربي. |

