هل يمكن لضعف حاكم أن يُودي بشعبه إلى الهاوية؟ هل تَدخل من لا يفقه شئ فيه يؤدي إلى كارثة؟ هل فكرة الخلافة من الأساس فكرة صحيحة؟
إن من أشد ما قد يصيب أي أمة هو الجوع، ولك أن تتخيل أنه استمر لمدة سبع سنوات أُكِل فيها القطط والكلاب حتى الموتى، حتى الرضع أُكِلوا، في واحدة من أبشع الكوارث التي حدثت في مصر، وهي "الشدة العظمى أو الشدة المستنصرية".
![]() |
| عندما أكل المصريون لحوم البشر |
متى وكيف بدأت الخلافة الفاطمية في مصر؟
بدأ الحكم الفاطمي في مصر عندما أرسل أعيان مصر آنذاك إلى الخليفة المعز لدين الله الفاطمي بأن يأتي إلى مصر ويملكها، قبل أن يملكها العباسيون وتخضع لهم مرة أخرى بعدما تولى أحمد بن علي الإخشيدي حكم مصر، ولم تستقر البلاد في حكمه وعانت من الغلاء الشديد واضطربت أمور البلاد، فكان آخر حُكام الدولة الإخشيدية في مصر، فاستجاب المعز لمطلبهم وأرسل القائد "جوهر الصقلي" ومعه مئة ألف فارس من عساكر الغرب، فامتلك مصر دون قتال أو مانع، وكان ذلك يوم الجمعة ١٩ شعبان سنة ٣٥٨هـ.
بداية حكم المستنصر بالله: ضعف الحاكم وتدخل الملكة.
تولى المستنصر بالله الخلافة عام أربعمائة وسبعة وعشرون، وكان وقتها في سن السابعة من عمره، ونظرًا لصغر سنه وأنه كان غير مؤهل لحكم البلاد أمر بتعيين أبو القاسم الجرجائي وزيرًا للبلاد، لكن القرار من البداية كان قرار والدته الملكة "رصد"، حيث كانت تتدخل في أمور البلاد بشكل مبالغ فيه، وأدى ذلك إلى السقوط البلاد إلى الهاوية.
فكان الجرجائي رجل دولة ذات خبرة نظرًا لتعيينه وزيرًا سابقًا في عهد والد المستنصر الظاهر لإعزاز دين الله، فأبدى كفائته وجدارته في السيطرة على أمور البلاد واستقامة أحوالها، لكن هذا الاستقرار لن يدوم؛ فبعد مدة ليست بقصيرة توفى الجرجائي وعادت الملكة للتدخل في الحكم مرة أخرى، ولم يستمر أي وزير لفترة طويلة، حيث كانت تقوم بتغييرهم بشكل مستمر، ويُقال أنها كانت تعين الوزير مساءًا وفي ظهر اليوم التالي تعزله حتى استقرت على وزيرٍ يدعى "أبو سعيد التستري"، وهو كان في الأساس شخص نخّاس، لا يفقه شيء عن الدولة، يبيع ويشتري العبيد، حتى الملكة نفسها بعض المؤرخون يقولون أنه قام ببيعها للقصر عندما كانت جارية، فانحدرت الأمور كثيرًا خلال فترته وعانت البلاد من حالة من الفوضى.
انتهت فترته بقتله على يد الفرقة التركية من الجيش الفاطمي آنذاك، وذهبوا للخليفة في قصره وأخبروه أنهم هم من قاموا بقتله، مما أدى إلى غضب الملكة رصد خصيصا أنها هي من قامت بتعيينه؛ فبدأت بدعم الفرقة النوبية ضد الفرقة التركية والمغربية واشترت خمسين ألف جندي نوبي لحمايتها هي والمستنصر، وبالرغم من أنه رقم مهول إلا انها كانت تسعى بكل الطرق للحفاظ عليها وعلى ولدها، حتى وإن كان على حساب الشعب، وفي ذلك الوقت اشتد الصراع بين الفرق الثلاثة وبدأت سلسلة من سلب ونهب أموال الشعب من قبل فرق الجيش، ولم يتركوا مكان إلا ونهبوه، حتى التجارة والقوافل كانوا يسرقوها؛ فتدهور الاقتصاد وارتفعت أسعار السلع مع إنخفاض في معدل وجودها داخل الأسواق.
وعادت الملكة للتدخل في شؤون الحكم من جديد، وكانت بشكل شبه يومي تقوم بتغيير الوزراء، وكان جميعهم غير كفئ ولا يصلحوا لحكم دولة كبيرة مثل الدولة الفاطمية، لحين وقع الاختيار على "أبو محمد اليازوري" وكان رجل حزم في أمور الدولة وأصدر قرارات للحد من الصراعات بين فرق الجيش، وأعاد الانضباط للأوضاع داخل الدولة وتصاعدت شهرته بين الحشود ومحبته زادت كثيرًا عند الشعب، وذلك أدى إلى قلق المستنصر من أن ينفرد اليازوري بالحكم؛ فأمر المستنصر بقتل اليازوري وتلك ما أسميها ببداية النهاية، فبعد مقتل اليازوري سنة ٤٥٠ هـ عادت الأوضاع للتدهور من جديد، وعادت فرق الجيش للحرب من جديد، حتى بدأت رسميًا "الشدة المستنصرية" بإنخفاض منسوب مياه نهر النيل.
الشدة المستنصرية: سنوات الجوع السبع في مصر الفاطمية.
بدأت الشدة فعليًّا سنة ٤٥٧ هـ، عندما انخفض منسوب النيل عن معدله الطبيعي حوالي ثمانية أذرع كاملين، وتلك تعد كارثة بكل المقاييس؛ لأن ذلك معناه أن الأراضي لن تُسقى ولن يكون هناك زرع، وبالتالي لن يكون هناك محاصيل ولا حبوب ولا غلال، وسيستمر ذلك الانخفاض إلى سبع سنوات، وبعض المؤرخين يشبهونه بالسبع العجاف في قصة سيدنا يوسف، وعلى الجانب الآخر لم يكن هناك اقتصاد لأن باختصار تعطلت حركة التجارة بالكامل بسبب الحرب التي دلعها فرق الجيش، وكانت الملكة تمد الجانب النوبي بالمال والسلاح لأنها من الأصل نوبية، وكانت الفرقة النوبية تحميها هي والمستنصر، فارتفعت الأسعار ارتفاع فاحش، واحتكر التجار السلع المخزونة لديهم وبيعها بأضعاف أضعاف ثمنها، حتى جاع الفقراء فظهر وقتها بعض الأثرياء وكانوا يشتروا القمح ويقوموا بتوزيعه على الفقراء، وروى أحد المؤرخين أنه بيعت حارة كاملة بيوتها مقابل طبق من الخبز، في حين أن الدينار الواحد قبل الشدة كان يشتري ما يعادل اثنين كيلو ونصف من الخبز، وعرفت بعدها تلك الحارة بـ "حارة الطبق" حتى اختفى القمح نهائيًا من الأسواق.
بداية البحث عن مصادر أخرى للغذاء: أكل القطط والكلاب.
بعدما اختفى القمح من الأسواق واشتد الجوع بالناس أصبحوا يبحثون عن مصادر أخرى للغذاء، وكان ذلك المصدر هو القطط والكلاب حتى ظهرت محلات لبيعهما وكان القط يباع بثلاثة دنانير والكلب بخمسة، وذلك بعد اختفاء جميع الدواب حتى الملك الذي كان يمتلك عشرة آلاف من الماشية أصبع يستعار بغلة من صاحب ديوان الإنشاء ليركبها، وكان حراسه يمشون من دون دابة، فكانوا يسقطون أرضًا من شدة الجوع بعدما باع مقتنيات القصر وباع ملابسه وملابس الجواري، ووصل به الحال إلى بيع مصابيح جوامع القاهرة من شدة الفقر.
كارثة أكل لحوم البشر خلال الشدة العظمى.
كانت أول حادثة لأكل لحوم البشر عندما ذهب الوزير أبو المكارم إلى قصر المستنصر وكان معه غلامه ويركبون بغلة، وعندما دخل إلى القصر هجم ثلاثة رجال على الغلام وأخذوا منه البغلة ولشدة ضعفه وجوعه لم يقدر على مقاومتهم فذبحوها وأكلوها، فحُكم عليهم بالصلب وفي أول نهار اليوم التالي لم يجد أحد منهم سوا عظامهم!
فقد هجموا عليهم الجياع في الليل وأكلوهم، ولم يتوقف الحال على ذلك بل ظهر بعض الطباخين الذين يطبخون النساء والأطفال ويبيعونها، وقيل أن كلبًا من شدة جوعه دخل إلى دارٍ وأكل رضيعًا كان ينام في مهده، وأبوه وأمه ينظرون إليه ولا يقدر أحد منهم النهوض لإنقاذه من شدة جوعهم، وكان يقف الناس في الأزقة والحارات على أسطح البيوت وبالكلاليب والخطاطيف وما أن يلمحوا وجود شخص كانوا يرمون الخطاف ويصطادوه ويطبخوه ويأكلوه، وكانت الحادثة الأشهر عن ذلك الأسلوب في الصيد هي المرأة التي اصطادها رجال من فرق الجيش النوبي وعلقوها وقطعوا جزء من فخذها وهي حية، فغابوا عنها مشغولين بطبخ ذلك الجزء من جسدها المسكين، فتمكنت من الهروب منهم وذهبت تستغيث منهم إلى الوزير، فذهب إلى ذلك البيت وأخرجوا منه الكثير من بقايا جثث قد كانوا اصطادوها وبعض المصادر تقول أنهم اخرجوا آلاف الجثث، مجاعة فتكت بالجميع، كارثة تعد من أشد الكوارث التي تعرض لها الشعب المصري على مدار التاريخ، شدة أطاحت بهم لمدة سبع سنوات وقُتل فيها ثلث الشعب المصري.
نهاية الشدة والتدخل المنقذ لبدر الدين الجمالي.
كانت امرأة تمتلك عقدًا ثمنه ألف دينار، فخرجت به استعطاف الناس بأن أحد يعطيها بمقابله بعض من القمح أو الدقيق، فلم يستجب لها أحد ثم بعد مده استجاب لها أحدهم وأخذ العقد وأعطى لها بعض الدقيق في جراب، فذهبت به ولما عرف الجياع أن معها دقيق هجموا عليها ونهبوا الجراب ولم يتبقى لها سوا ملئ كف يديها، فذهبت إلى بيتها عجنته وخبزت به رغيفًا، ثم أخذته توجهت به إلى قصر السلطان وهي تصرخ بملئ صوتها وتقول:
يا أهل القاهرة، ومصر، ادعوا للخليفة المستنصر بالله بالنصر،الذي أكلنا الرغيف في أيامه بألف دينار".
فسمعها الخليفة وتأثر بحديثها وأدرك وقتها إن لم يتحرك فورًا سوف يهلكوا جميعًا، فأرسل إلى القائد بدر الدين الجمالي بأن يأتي وينقذ ما تبقى من البلاد، فاستجاب الجمالي إلى مطلبه، لكنه اشترط على أن يأتي ومعه رجاله وأن لا أحد يتدخل في شؤونه وما سيقوم به، ووافق المستنصر وأتى الجمالي ومعه عشرون ألف جندي أرميني، وبدأ في استصلاح الأراضي وضخ المحاصيل في الأسواق، واتفق مع المزارعين على المحاصيل وتأمين الطرق لهم وأنهم معافون من الضرائب لمدة ثلاث سنوات، وحثهم وتشجيعهم على الزراعة ومن يمتنع عن الزراعة تُسلب منه أرضه، وبعد ذلك، التفت إلى التجار والمحتكرين للسلع، فخدعهم بخدعة في غاية الذكاء، دعا جميع كبار التجار في مصر إلى القصر وجاء بمجموعة من المجرمين المحكوم عليهم بالاعدام والبسهم مثل التجار حتى أصبحت هيئتهم مثله، ووقف في ساحة القصر أمام المجرم وقال له أنه احتكر السلع في الأسواق ورفع سعرها ثم أخرج سيفه وقطع رأسه أمام الجميع، ثم فعل ذلك مع غيره والذي يليه والذي يليه حتى انتهى منهم والتفت إلى التجار وقبل أن يتحدث قال له كبيرهم إن كان يسألهم عن السلع فنعم لديهم سلع في المخازن، وسوف ينزلوا بها إلى الأسواق في الحال، وكانت تلك بداية لفك الشدة، وبدأت عجلات التجارة تدور من جديد، وبدأ منسوب المياه في الإعتدال وتزحزحت الغمة شيئًا فشيئًا، واستمر الجمالي في إنجازاته، فبنى حي الجمالية نسبة إلى اسمه الموجود لوقتنا هذا، وبنى جامع مشهد الجيوش في المقطم، وشارع النحاسين في منطقة المعز، لتنتهي على يده واحدة من أبشع الفترات التي مرت بها مصر، وتقديريًا قُتل فيها ثلث الشعب المصري.
انتهى حكم المستنصر بوفاته في سن السابعة والستين، وقد طال حكمه إلى ستين عام، ويعتبر من أكثر عشر حكام مدة في الحكم في التاريخ، وتولى حكم مصر من بعده ابنه "المستعلي بالله".
المصادر والمراجع
- المقريزي، تقي الدين (ت. ٨٤٥ هـ) إغاثة الأمة بكشف الغمة.
- المقريزي، تقي الدين (ت. ٨٤٥ هـ) اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا.
- ابن إياس الحنفي، محمد (ت. ٩٣٠ هـ) بدائع الزهور في وقائع الدهور.
