أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر المقالات

قصة الموريسكيين: كيف حفظ المسلمون دينهم سرًا بعد سقوط الأندلس؟

رِثاء الأندلس وبداية القصة:

"دَهىٰ الجَزيرة خَطبٌ لا عَزاء له
هَوىٰ له أُحُدٌ، وانهَدَّ ثهلانُ!"
- أبو البقاء الرندي - في رثاء الأندلس.

إن كُنتَ تظنُّ أن حقبة سِرّية الإسلام، وتَعذيب مَن عُلِم أمرُ إسلامه قد انتهت بعد السنة الثالثة من بعثة النَّبي ﷺ، وأَمر الله بالجَهرِ بدعوة الإسلام، أخبركَ بخطأ ظنِّك؛ فقد بدأت حقبةٌ جديدةٌ بعد عِدّةِ قرونٍ في (الأندلس).

كيف عاش المسلمون دينهم سرًا بعد سقوط الأندلس؟

الأندلس: الموقع والتاريخ المبكر

والأندلس هي ذاتها جزيرة أيبيريا جنوب غرب أوروبا، أو كما نعرفها الآن بـ "إسبانيا"، وكانت كما باقي دول أوروبا تحت الحُكم المسيحيِّ.

فتح الأندلس على يد طارق بن زياد

أما قريبًا منهم في الجنوب، فكان القائدُ "موسى بن نُصير" قد أنهى فتح إفريقيّة -المغرب وتونس- ثم سار بعدها يريد فتح الأندلس، وتحت لِواء الدولة الأموية، وبِعَونِ القائد الشُّجاع الأمازيغي (طارِق بن زِياد)، وجيشٌ جُلّه من البربر وبعض العرب، مَنَّ اللهُ عليهما بفَتح الأندلس أقصاها وأدناها عام ٧١١م.

عصر ازدهار الأندلس: صقر قريش والحاجب المنصور

تتابَع على حُكم الأندلس من بني أُميّة خُلفاء كُثُر يفتخرُ التاريخُ بهم، أمثال "عبد الرحمن الدّاخِل" أو كما يُلقَّب بصَقر قُرَيش، وحفيده "عبد الرحمن النّاصِر"، و"محمد بن أبي عامر" الحاجب المنصور، وقد وصلت الأندلس في عصرهم لمكانةٍ لم تَصِل إليها في عَهدِ أحدٍ ممّن كانوا قبلهم أو بعدهم.

سادَ الأمنُ بين الناس، وكثُرت الانتصارات في معاركهم ضد الإسبانيين، كما اهتمّوا بشؤون البلاد الاقتصاديّة والعمرانية بشكلٍ مُذهِل، على سبيل المثال: حوّل عبد الرحمن النّاصِر منطقةً جبليّة وَعِرة إلى مدينةٍ رائعةٍ هي "مدينة الزّهراء" نسبةً لاسم أحبّ جاريةٍ إليه.

وإنَّ "لِكُلِّ شَيءٍ إذا ما تَمَّ نُقصانُ"، فقد بدأ تماسُك دولة (الأندلس) يتهاوى؛ بسبب تفرُّق الحُكم على عِدّة مُلوك، وقد انشغل هؤلاء الملوك -ملوك الطوائف- بالصِّراعات على الحُكم والمُنافسات على الألقاب السلطانية، ورغم أن "يوسف بن تاشفين" قد استطاع الإمساك بزمام غرورهم، إلّا أنّ ملوك ما تبقّى من مُدنٍ إسبانية لم تَكن تحت حُكم المُسلِمين، قد عَلِموا بما آلَ إليهِ حال المُلوك من تفرّق وتشرذم؛ فلم يفق المُسلِمون إلّا على سقوط أوّل حجارةٍ بِسَدّ دولة "الأندلس": سقوط (طُلَيْطِلة) في أيدي الإسبانيين!

تسليم غرناطة وبداية الحقبة السرية

ومن بعدها، نزلت الهزائمُ على المُسلِمين كما الصّواعِقُ التي لا تُبقِي ولا تَذَر، وبعد ملاحم كثيرة بين المُسلمين وجيوش المَلِكَين (إيزابيل) و(فرناندو) -مَلِكَيْ قشتالة والأراغون- أُبِيدَ فيها المُسلِمون، وهُزِموا أشدّ هزيمة.

وكما تتابع سقوطُ مُدن (الأندلس) واحدة تلو الأخرى في أيدي المسيحيين، أُجبِرَ (أبو عبد الله الصغير) آخرُ مُلوك بني الأحمر على تسليم مدينة (غرناطة) عام ١٤٩٢م، وكانت (غرناطة) آخر أملٍ لسيادة المُسلِمين في (الأندلس)، ومن بعدها بدأت حقبةُ سِرّية الإسلام.

وقبل الحديث عن تلكَ الحقبة، لا بُدّ أن نعرف أن سُلطة الكنيسة والبابا في أوروبا في القرون الوسطى كانت سلطةً قمعيّة ديكتاتورية، تشملُ حتى الملكَ وأعوانه، وقد ظلّ ذلك حتى قيام الثورة الفرنسية، فلا عَجب إذًا أن تمتدَّ يَدُ الكنيسة لتنصير المُسلِمين قَسرًا، أو في أفضل الأحوال، تهجيرهم بالإجبار من بيوتهم ومُدُنهم.

محاكم التفتيش والموريسكيون: حقبة الاضطهاد

هؤلاء أُطلِق عليهم (الموريسكيون)، وكلمة (موريسكي) تعني المُسلِم الذي تمّ تنصيره، أو حتى الذي ينتمي إلى أصولٍ مُسلِمةٍ أو عربيّة، أما من رفضوا التنصير أو الدخول في المَسيحيّة -الكاثوليكية- فقد استقبلتهم محاكم الكنيسة القمعية، المُسمّاة بـ(مَحاكِم التَّفتيش)، وهي محاكمُ مُخصَّصة لتنفيذ الأحكام التي تُصدِرها الكنيسة.
رُبَّما إن قرأتَ في تاريخِ القرون الوسطى لأوروبا، وتحديدًا في ما يتعلّق بالسَحرة "ومحاكم التفتيش"، فلا شَكّ أنَّكَ قد لَمَحتَ تِلك الكلمة المُخيفة، مَحاكمُ صُوريّة لها قوانينها الخاصَّة، وما تقوله الكنيسة هو قانونها الأوَحد.

فإن قُلتَ رأيًا مُخالِفًا لَها، أيًّا كان هذا الرأي فيا، مَرحبًا بِكَ في غَياهِبها الدَّامِيَة!
وعَودًا لِذي بَدء، فقد تكاتفت الكنيسة ومحاكم الشيطان كما كان يُطلِقُ عليها الأندلسيون، للنَّيْل ممّن رفضوا التنصير، كثيرٌ من الأندلسيين الذين تنصَّروا ظاهِريًّا، لَم يفعلوا ذلك إلّا لاتّقاءِ شَرِّ الكَنيسة، وحتّى يظلّوا في بِلادهم لا يتركوها.

ويبدو أنَّ محكمة التفتيش لَم تقتنع بذلك الاستسلام الظاهريّ؛ فقد أخذت على عاتِقها مُطاردةُ الموريسكيين حتى في أبسطِ أمورهم، وعلى مرِّ العديد من السنوات أخذت تُصدِر الكثير من القرارات التي تضيق الخناق أكثر فأكثر على مُسلِمي (الأندلس).

فعلى سبيل المثال:

  1. تتمّ مراسيم الزواج على الطريقة الكاثوليكيّة، وأن يتزوّج الموريسكيُّ المُنصَّر مسيحيّة ذات أصلٍ إسباني، وأن تتزوّج الموريسكيّة المُنصَّرة مسيحيًّا ذا أصلٍ إسباني.
  2. يتخلّى الرجال عن الثياب العربيّة، ويُرغَمون على ارتداء الأخرى ذات النمط الإسباني، أما النَّساء فيجب عليهنّ التخلّي عن غطاء الوجه والحجاب الإسلامي.
  3. يُمنع الموريسكي من ذبح الحيوانات على الطريقة الإسلامية، ويُذهَب بها إلى المسلخ ليذبحها جزّار مسيحي من أصلٍ إسباني قديم.
  4. يُمنع الموريسكي من استخدام اللغة العربيّة أو الحديث بها، أو حتى الكتابة بها، كما حُظِرت الأسماء العربيّة.
  5. يتم تسليم الأسلحة، ويُحظَر عليهم حمل أي أداةٍ حادّة.
  6. في أعيادِ المُسلِمين ويوم الجمعة يُمنع الاحتفال، بل ويجبُ إغلاقُ البيوت عليهم.
  7. حتى عند الولادة، يجبُ أن تستحضر الأم قابلةً مسيحيّة؛ حتى لا يُسمّى الابن باسمٍ عربيّ، ثم يُذهَب بالرضيع للكنيسة حتى يتم تعميده.

أما مَن تُثبتُ عليه تهمة إخفاء الإسلام فقد كان يؤخذُ ليتم استجوابه بأشنع طرق التعذيب، حتى إن أدوات التعذيب ما تزالُ في متاحف (إسبانيا) يتباهون بها، وفي تلك الفترة أو بعد فترةٍ من التعذيب كان يتمُّ إعدامه حرقًا.

كيف حافظ المسلمون على دينهم سرًا؟

رغم ما نراهُ من صرامة تلك القوانين وقسوتها، إلا أن المُسلِمين لم يَرضَوا بديلًا عن الإسلام؛ فكانوا رغم ذهابهم مُجبَرين إلى الكنيسة لتعميد الأطفال يعودون فيُحمّمونهم ويُكبّرون في آذانهم، ويحتفلون بأعيادهم سِرًا، ويُصرُّون على تعليم صغارهم شعائر الإسلام سرًا.

ولكن، ولأن الكنيسة كانت تسعى لتضييق الخناق عليهم، فقد كانوا يأخذون أبناء الموريسكيين الصغار فيُعمّدونهم ويجعلونهم في خدمة الكنيسة رُهبانًا وقساوسة، ثم يُطلقونهم عيونًا على أسرهم داخل المنازل والدُور!

تخيَّل أنَّكَ تجلسُ على أريكةِ دارِكَ مع ابنك تهمسُ له بكيفية تأدية الصلاة، وأنَّ الجنة تنتظره بإذن الله إن حَرِص على الإسلامِ وتعاليمه..
ثم تظنُّ أنَّه سيحفظُ سِرَّك، فتَجِدُ رِجالَ الكنيسة يقتحمون عليكَ دارَكَ ليصطحبوك للاستجواب 

ولم يقتصر الأمر على مُسلِمي الأندلس، فقد كان هناكَ يهودٌ بها، وقد عُومِلوا بذات التشديد، ولكن للأسف كان صغارُ المُسلِمين الذين يؤخذون للكنيسة أشدّ مقتًا لأهليهم وللإسلام من صغار اليهود، بل كان صغارُ اليهود يزدادون حُبًّا لدينهم سرًا، ذلك أنّ أغلب القساوسة كانوا يهود الأصل، فكانوا يدعمون خاصّتهم وينمّون الحقد تجاه المُسلِمين في صغار المُسلِمين.

إن تلك الحقبة السريّة شبيهةٌ إلى حَدٍّ كبير بما كان يحدث في تُركيا إبان حُكم "مصطفى كمال أتاتورك" بعد إعلانه للعلمانيّة.
فقد مُنع الحجاب واستخدام اللغة العربية حديثًا أو كتابةً أو تسميةً، كما حُظر الآذان والجوامع وتحفيظ القرآن، فكان الناس يؤدون صلواتهم ويحفظون قرآنهم في حُجراتٍ مخفيةٍ تحت منازلهم.

دروس وعبر من سقوط الأندلس

وخِتامًا، فإن النصر والهزيمة لَيسا مُرتبطين بعُدّةٍ أو عدد الجيش، وإنما يأتيان قبل أرضِ المعارِك بكثير، تحديدًا من أفئدةِ وعقولِ البشر، فقد كان جيشُ المُسلِمين عِند فتح (الأندلس) أقلَّ بكثيرٍ من جَيش الإسبانيين، ورغم ذلك كان النَّصرُ حليفهم، وعِند سقوطِ (غرناطة) كان في المدينة مُسلِمون كُثُر، إلّا أن الالتهاء بالدُّنيا والصِّراعات فيما بينهم على حِسابِ مسؤولية الدولة المنوطين بها، جعلهم فريسةً أسهل للهزيمة.

المصادِر والمراجع:

1- حتاملة، محمد عبده. الأندلس: التاريخ، الحضارة، والمحنة.
نسخة إلكترونية من Noor-Book معدّة استنادًا لأرشيف الإنترنت.

2- محمد كرد علي - غابر الأندلس وحاضرها - دمشق / القاهرة 1923.
النسخة الرقمية الصادرة عن مؤسسة هنداوي، 2014. متاح عبر موقع مؤسسة هنداوي.

تنويه: نودّ التأكيد أن هذا المقال سردٌ تاريخيّ محايد مبني على مصادر أكاديمية موثقة، يهدف إلى عرض الوقائع وتحليلها بموضوعية، ولا يعبّر عن موقفٍ معاصر أو توجهٍ أيديولوجي. مُراجعة وتدقيق: أسماء كمال الصفتي تحرير وإشراف عام: محمد رمضان – المؤسّس والمدير التنفيذي إدارة قسم المراجعة والتنسيق
رَغَد أيمن محمد.
رَغَد أيمن محمد.
رغد أيمن، كاتبة روائية مصريَّة، وكاتبة مقالات لدى موقع كَوْن
تعليقات