في ليلةٍ من ليالي القرن الثالث عشر، غرق الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري في نومٍ عميق، قطعه كابوسٌ غريب، حيث رأى نفسه تائهًا في إحدى الغابات، وكانت تُطارده ثلاثة وحوشٍ مخيفة: نمرٌ، وأسدٌ، وذئب.
وفجأة ظهر الشاعر الروماني بوبليوس فيرجيليوس -المعروف باسم فيرجيل- الميت منذ قرون، وقاده في رحلةٍ مرعبةٍ من الجحيم وحتى الفردوس.
اقتنع دانتي حينها أن هذا ليس مجرد كابوس، بل رؤيةٌ إلهية يجب تخليدها، ومن هنا كُتِب كتاب (الكوميديا الإلهية)، فكانت رؤية دانتي عن الجحيم أحد أقدم التجسيدات الفنية للأحلام في التاريخ، وأعظم تجسيدٍ أدبيٍّ للجحيم في المسيحية؛ كمرقدٍ للأرواح الملعونة والعالمِ المحترقِ الأبديّ.
كان خوفه من المصير السيئ لكل مذنب أمام العدل الإلهي مسيطرًا على عقله اللاواعي، كابوسًا مرعبًا تحوّل فيما بعد إلى مصدر إلهامٍ لكثيرٍ من الفنانين على مرّ العصور.
الأحلام كمصدرٍ للفن والإبداع:
منذ بداية البشرية، اعتمد الفنانون في فنّهم على الغوص في خيالهم، واختيار الأفكار أو المشاهد الغريبة والمرعبة، وتحويلها إلى لوحةٍ فنيةٍ أو معزوفةٍ موسيقية.
كل ليلةٍ عندما ننام، نُغلق عيوننا، ورغم ذلك نستمر في الرؤية، كيف هذا؟ عن طريق الحلم بالتأكيد.
ورغم أن هذه المرحلة من النوم تستمر لساعتين أو ثلاث تقريبًا، فإننا عندما نستيقظ لا نستطيع تذكّر أيّ شيءٍ عمّا رأيناه تقريبًا، فكيف يحدث هذا؟ ولماذا نحلم؟
نظريات تفسير الأحلام:
هذا السؤال حيّر كثيرًا من الفلاسفة والعلماء على مرّ العصور، ففي القرن العشرين شاعت نظريةٌ تقول إن الأحلام ما هي إلا انعكاسٌ عشوائيٌّ لنشاط العقل أثناء النوم، حيث يقوم بعملية تفريغٍ يومية، كما قيل أيضًا إنها وسيلةٌ لتخزين المشاعر والذكريات ومعالجتها.
أما في بعض الأبحاث الحديثة، فيُقال إن الأحلام وسيلةٌ لتدريب العقل على مواجهة المخاطر واكتساب القدرة على التحكم في الانفعالات، حيث إن الأفراد الذين يحلمون ويتذكرون أحلامهم بسهولة غالبًا ما تكون لديهم مستويات ذكاءٍ أعلى من الذين لا يحلمون.
الأحلام في الميثولوجيا والفن القديم؟
الإنسان ليس الكائن الوحيد الذي له قدرةٌ على الحلم؛ فكثير من الثدييات كالقرود والبقر والكلاب لها القدرة على رؤية الأحلام أثناء النوم، لكننا نتميز عنهم بقدرتنا على تحويلها إلى فنّ.
كهضبة "طاسيلي ناجر" الموجودة في الصحراء الكبرى، والتي تتميّز بفنّها البشري القديم الذي نفّذه الطاسيلي، فإذا رأيتها لأول مرة ظننتها مشاهد للصيد وصورًا للحياة المصرية القديمة، لكنها تحتوي أيضًا على بعض الصور الغريبة التي تُثير الحيرة عند التمعّن فيها، وعلى الرغم من أنها ليست أقدم تجسيدٍ للأحلام والهلاوس البشرية، فإنها تجعل علماء الميثولوجيا يرونها أقدم تجسيدٍ للرؤى بسبب التعقيد الذي تعرضه مشاهدها، مثل عرضها لإنسانٍ في حالاتٍ غير طبيعيةٍ كتحليقٍ أو تحوّلٍ إلى كائناتٍ أخرى، وهذه الرموز كانت شائعة في الأحلام أثناء الحضارات المصرية القديمة.
الأحلام في الحضارات القديمة:
عند سكان أستراليا، لعبت الأحلام دورًا هامًا في ثقافتهم الشعبية لآلاف السنين، حيث رُسمت كثيرٌ من اللوحات باستخدام الألوان الطينية، ويعود أغلبها إلى أكثر من ثلاثين ألف سنة، لكن الموجة الثالثة منها -والتي تُسمّى بساعة الأحلام- تعود إلى حوالي تسعة آلاف سنة، ورُسِمت بطرقٍ مميزةٍ وجذّابة، وفكرتها الرئيسية هي الأحلام التي شاهدها الناس، وكيف تواصلوا مع الأرواح.
لذلك، تناقل سكان أستراليا الأصليون هذا الأسلوب الفني لقرونٍ طويلة، منذ العصر الحجري الوسيط وحتى اليوم.
أما في العراق، فمع بداية أول حضارةٍ "سومر"، ظهرت الأحلام في عدة كتاباتٍ ونصوصٍ، ففي العالم القديم ظنّ الناس أن الأحلام رحلةٌ مقدسةٌ تأخذها الروح إلى العالم السفلي كل ليلة، وفي ملحمة جلجامش تلعب الأحلام دورًا هامًا في التواصل بين البشر والآلهة وكأداةٍ للتنبؤ بالمستقبل، ففي أولى لحظات الملحمة رأى جلجامش نيزكًا يسقط من السماء يصحبه رمز فأسٍ قويّ، ففسّرت والدته هذا الحلم على أنه علامةٌ لقدوم صديقٍ عظيمٍ هو إنكيدو.
وفي مصر، سمّى المصريون القدماء الأحلام "RESUT"، والتي تعني اليقظة، وآمنوا أن الأحلام رسائل من الآلهة، وأنه أثناء النوم يتلقى الجسم الطاقة اللازمة لبقائه في الوجود.
الأحلام بين الإغريق والديانات السماوية
عند الإغريق، فقد رأى أرسطو أن الأحلام عمليةٌ عقلية، بينما اعتبرها البعض رسائل من الآلهة، فكانت هناك معابد مخصّصة للنوم تُعرف باسم أسكليبيوس، وكان المرضى ينامون فيها منتظرين أحلامًا تحمل علاجًا لمرضهم، ولذلك ليس مفاجئًا أن للأحلام دورًا كبيرًا في الكتب السماوية المقدسة لدى اليهود والمسيحيين والمسلمين.
وأشهر هذه الرؤى قصة سُلّم سيدنا يعقوب، حين رأى سُلّمًا من الملائكة يصعدون ويهبطون من السماء، وهذه القصة جُسّدت في كثيرٍ من الأعمال الفنية المسيحية.
وفي العصور الوسطى مثّلت الأحلام وسيلةً للتنبؤ بالمستقبل لدى كثيرٍ من المسلمين، حيث كُتبت آلاف الكتب عنها، وأغلبها يدور حول قصة سيدنا يوسف وتفسيره للأحلام، كما انتشرت الكوابيس في الميثولوجيا، وكان هناك اعتقادٌ شائع بأن سببها العفاريت، كالجاثوم، وهو وحش يجلس على صدر المرء وهو نائم مما يسبب له الكوابيس والقلق، لكن الحقيقة العلمية أن هذا يحدث حينما يستيقظ العقل قبل الجسد، وتُعرف هذه الظاهرة بـالشلل النومي، وقد تصاحبها أحيانًا هلاوس بسبب تفاجؤ العقل، وهذا ما جعل الكثير يفسّرها على أنها عفاريت أو وحوش.
من اليابان إلى السريالية الحديثة
![]() |
| لوحة أوديليون ريدون |
في اليابان، فقد شاع أن الأحلام رسائل إيجابية، فحسب الميثولوجيا اليابانية، إذا رأيت بحرًا فهذا يعني أنك ستتزوج قريبًا، وأظن أن هذا ما جعل معظم الفنانين الأوروبيين مهتمين بالفن الياباني، وتحديدًا خلال القرن التاسع عشر، كالرسّام الفرنسي "أوديليون ريدون" الذي استلهم عدة أعمالٍ من أسلوب الأوكييو (الرسم على الخشب)، وكان مهتمًا برسم كائنات اليوكاي التي كانت تزور الأحلام، وهكذا بدأ في تجسيد ما يراه في منامه.
في بداية القرن الماضي، قدّم عالم النفس سيغموند فرويد نظريته حول الأحلام، حيث رأى أنها ليست تخيّلاتٍ عشوائية أو صورًا بلا معنى، بل نافذةٌ على اللاوعي تعكس رغباتنا المكبوتة ومخاوفنا وصراعاتنا الداخلية.
ورأى أنه عندما ننام تتحرر رغباتنا التي لا يمكننا البوح بها في وعينا، فيستخدم العقل الباطن الأحلام كرسائل لهذه الرغبات، وأن كل رمزٍ في الحلم -وإن بدا غامضًا- يُعبّر عن حياتنا النفسية، لذلك كان يرى أن أفضل طريقةٍ لعلاج المرضى النفسيين هي تحليل أحلامهم.
![]() |
| لوحة استمرار الذاكرة - لسلفادور دالي |
وعلى هذه النظرية ظهر الفن السريالي الذي يعتمد على ما يحدث داخل العقل وتمثيله في شكل لوحة، كالتي رسمها الرسّام الإسباني سلفادور دالي والمعروفة باسم لوحة استمرار الذاكرة.
إذا كانت الأحلام طريقةً للتعبير عنّا، فيمكن للفن أن يفعل ذلك، حيث أن لوحةٍ تتميّز بشيءٍ يُعبّر عن صاحبها ويوضّح مشاعره، ففي عام 1525 رأى الفنان الألماني ألبرت دورر كابوسًا مرعبًا عن نهاية العالم، وحوّله إلى لوحةٍ مائيةٍ كتب أسفلها وصفًا لما رآه، فكان وصفه المأساوي من أقدم وأقوى التجسيدات لحلمٍ على شكل لوحة.
الأحلام لم تكن مجرد رؤيةٍ عابرة، بل كانت وما زالت مدخلًا لعقل الإنسان، ورغباته، ومخاوفه، فتصبح فنًا صادقًا لحقيقتنا التي لا يعترف بها عقلنا الواعي.


